No Result
View All Result
أيمن روج
منذ اللحظات الأولى لانفجار الصراع السوري وما تبعه من فراغ أمني وتفكك مؤسساتي، برزت في شمال وشرق سوريا قوى محلية وجدت نفسها أمام معادلة وجودية لا تحتمل التردد، فإما الانهيار أمام تمدد التنظيمات المتطرفة أو بناء نموذج دفاعي قادر على حماية الأرض والإنسان معًا، وفي قلب هذه المعادلة تشكلت قوات سوريا الديمقراطية بوصفها إطارًا جامعًا لشعوب متعددة، وكان العمود الفقري لها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة اللتان لم تكونا مجرد تشكيلين عسكريين تقليديين بل ظاهرة اجتماعية وسياسية أعادت تعريف مفاهيم الحماية والهوية والمقاومة، إذ لم تقتصر مهمتهما على صد الهجمات بل تعدتها إلى حماية التنوع الإثني والديني في منطقة كانت مهددة بالاقتلاع الديمغرافي والفكري على يد تنظيمات متطرفة كداعش وغيره من المجموعات المتشددة التي سعت إلى فرض نموذج أحادي قائم على الإقصاء والعنف، ومن هنا يمكن فهم أن الانتصارات التي تحققت لم تكن فقط ذات طابع عسكري بل حملت في جوهرها بُعدًا إنسانيًا واستراتيجيًا أعاد التوازن إلى منطقة كادت أن تتحول إلى بؤرة دائمة للفوضى.
لقد خاضت هذه القوات معارك طويلة ومكلفة، من كوباني إلى الرقة ودير الزور، حيث لم تكن المواجهة مجرد صراع على الجغرافيا بل صراع على نمط الحياة ذاته، فكل مدينة تم تحريرها كانت تعني إنقاذ آلاف المدنيين من مصير محتوم تحت حكم التطرف، وكل انتصار كان يرسخ فكرة إن هناك إمكانية لبناء نموذج مختلف في سوريا، نموذج يقوم على الشراكة بين الكرد والعرب والسريان وغيرهم، وعلى إشراك المرأة في القرار العسكري والسياسي بشكل غير مسبوق في المنطقة، وهو ما أعطى لوحدات حماية المرأة رمزية عالمية باعتبارها ليست فقط قوة قتالية بل رسالة سياسية وثقافية ضد الفكر الظلامي، ومع تراكم هذه الانتصارات بدأت تتشكل معادلة جديدة على الأرض، حيث لم تعد هذه القوات مجرد فاعل عسكري محلي بل أصبحت طرفًا أساسيًا في أي نقاش حول مستقبل سوريا، لأنها تسيطر فعليًا على مساحات واسعة وتديرها عبر هياكل مدنية، وتملك شرعية مستمدة من قدرتها على الحماية والاستقرار في وقت عجزت فيه أطرافاً أخرى عن ذلك.
إن القول بأن هذه الانتصارات كانت عاملًا حاسمًا في الوصول إلى مرحلة التفاوض ليس مبالغة بل توصيف واقعي لمسار الأحداث، فلو لم تتمكن هذه القوات من كسر شوكة التنظيمات المتطرفة ومنع تمددها، لكانت مناطق روج آفا شمال وشرق سوريا قد تحولت إلى مسرحٍ مفتوح للمجازر والتطهير، ولكان الحديث عن أي عملية سياسية اليوم ضربًا من الخيال، لأن المجموعات المتطرفة لا تؤمن أساسًا بالحوار أو الدولة، وبالتالي فإن ما تحقق عسكريًا هو الذي أتاح لاحقًا فتح المجال أمام مقاربات سياسية، بما في ذلك التفاوض مع الحكومة المؤقتة في سوريا، حيث دخلت هذه القوات إلى طاولة الحوار وهي تمتلك أوراق قوة حقيقية تتمثل في السيطرة الميدانية، والخبرة التنظيمية، والدعم الشعبي النسبي، وهو ما جعلها شريكًا لا يمكن تجاهله.
وفي سياق الحديث عن الحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، تبرز مسألة اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن وزارة الدفاع السورية كواحدةٍ من أكثر القضايا حساسية وأهمية في آنٍ واحد، إذ أن هذا الاندماج لا يمكن النظر إليه فقط كخطوةٍ تقنية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، بل كاختبار حقيقي لإمكانية بناء دولة سوريا جديدة تستوعب تعددية شعوبها وتعترف بدور القوى التي ساهمت في حماية البلاد من التفكك، فنجاح هذا المسار يتطلب ضمانات واضحة بعدم تهميش هذه القوات أو تفكيكها بطريقة تفقدها خصوصيتها، وفي الوقت نفسه إيجاد صيغة توازن بين المركزية العسكرية ووحدة القرار السيادي، وبين الحفاظ على الخبرات المحلية التي أثبتت فعاليتها في مواجهة التحديات الأمنية المعقدة.
ولعل الأهم من ذلك كله هو إدراك أن التاريخ لا يُكتب فقط بالبيانات السياسية بل بالتضحيات على الأرض، فلو لم تكن هناك وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ولو لم تُخَض هذه المعارك القاسية وتحققت تلك الانتصارات، لكان المشهد السوري اليوم أكثر قتامة بكثير، ولكان ملايين المدنيين عُرضة لمصير دموي على يد التنظيمات المتطرفة، ولما كانت هناك بيئة تسمح بظهور حكومة انتقالية أو بدء مسار تفاوضي، ومن هنا فإن الاعتراف بدور هذه القوات ليس مسألة سياسية فحسب بل هو أيضًا ضرورة أخلاقية وتاريخية، لأنه يعكس حقيقة أن من يدافع عن الأرض في أحلك الظروف هو من يملك الحق في أن يكون جزءًا من رسم مستقبلها، وبين البندقية وطاولة المفاوضات تتجلى قصة روج آفا وشمال وشرق سوريا كأحد أكثر فصول الصراع السوري تعقيدًا وثراءً، حيث تحولت القوة العسكرية من أداة دفاع إلى رافعة سياسية، وفتحت الطريق أمام إمكانية بناء سوريا مختلفة، إن أُحسن استثمار هذه اللحظة التاريخية.
No Result
View All Result