No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – تشهد مناطق “روج آفا”، نموذجاً مغايراً للأنظمة القضائية التقليدية، يقوم على العدالة المجتمعية وحل النزاعات عبر مؤسسات محلية، في مقابل مستجدات سياسية وقضائية تتعلق بملف اندماج القضاء مع الحكومة السورية المؤقتة.
يختلف نظام العدالة في روج آفا عن الأنظمة السائدة التي تبدأ فيها القضايا من المحاكم الرسمية، حيث يعتمد النظام المحلي على “الكومين” بوصفه الركيزة الأساسية في إدارة شؤون المجتمع، ويؤدي الكومين دوراً مزدوجاً يشمل الجوانب الخدمية والإصلاحية، إلى جانب حل النزاعات بين الأهالي بشكل ودي.
العدالة المجتمعية
وفي هذا السياق، تتولى لجان الصلح مهمة معالجة الخلافات، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من خلال استقبال الشكاوى والاستماع إلى أطراف النزاع بشكل منفصل، قبل العمل على تقريب وجهات النظر عبر جلسات متعددة، وتُعد هذه اللجان جهة استشارية تسعى للوصول إلى حلول توافقية تُرضي الأطراف المتنازعة.
وحسب ما أفاد به الإداري في كومين الشهيد مصطفى “بسام أصلان“، فإن القضايا البسيطة مثل السرقة أو الخلافات العائلية أو حالات الطلاق غالباً ما تُحل داخل الكومين، عبر جلسة أو جلستين، وفي حال تعذر الحل، يتم تحويل القضية إلى مجلس الحي، ومن ثم إلى المحكمة إذا استمر الخلاف دون تسوية.
ويشرف الكومين في حي الغربي على أكثر من ألف منزل، ورغم ذلك لم يسجل إلا عدد محدود من القضايا خلال عام ونصف، ما يعكس قبولاً مجتمعياً واسعاً لهذا النموذج، إذ يلتجأ الأهالي إلى الكومين لفض الخلافات، كما وتلعب لجنة المرأة دوراً محورياً في حل النزاعات الأسرية، حيث تُعالج معظمها دون الحاجة للوصول إلى مستويات قضائية أعلى.
وأن لم يكن الكومين قادر على حل الخلاف، تحول القضية إلى مجلس الحي هذا، حيث بين عضو مجلس الصلح في مجلس حي الهلالية “محمد مصطفى”، أن القضايا التي تستعصي على الكومين تحول لهم، بينما القضايا الخاصة بالمرأة تحول إلى دار المرأة، وهنا يعمل المجلس مع الكومين في محاولة حل القضية بطرق أخرى.
ويرى، أن ملف القضاء في المنطقة يعد ناجحاً، إذ أن المحاكم لا تدخل لحل النزاعات ويتم حل الكثير من المشكلات دون الحاجة لمحامي ودخول سلسلة القضاء الطويلة، وهذا ما يساعد في زرع المحبة: “إن كانت النزاعات قابلة للحل دون محاكم لماذا لا نحلها دون تكبير الأمر، وأننا في المجلس نعلم أن هناك قصص تتطلب الحل من المحكمة، لكننا نحاول إيجاد حل سلمي يرضي الطرفين”.
تحديات ملف القضاء ومسار الاندماج
وعلى صعيد آخر، برزت مؤخراً تحديات تتعلق بملف القضاء في إطار مسار الاندماج مع الحكومة السورية المؤقتة، فأشار القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” عبر لقاء مع وكالة هاوار إلى وجود إشكالات ظهرت قبل نحو أسبوعين، أثرت بشكل مباشر على تقدم هذا المسار.
وأوضح عبدي، أن سبب الخلاف يعود إلى غياب آلية واضحة لدمج قضاة الإدارة الذاتية ضمن النظام القضائي الحكومي، إضافة إلى مخاوف تتعلق بضمان حقوقهم والحفاظ على خصوصية المنطقة.
واعتبر، أن ردة فعل القضاة برفض الإقصاء كانت “محقة”، لكونها تتعارض مع مبدأ التوافق الذي يفترض أن يقوم عليه الاندماج. هذا، وقد عُقدت سلسلة اجتماعات في دمشق بهدف تجاوز الأزمة، وتم التوصل إلى تفاهمات تضمنت قبول دمج قضاة الإدارة الذاتية، إلى جانب استمرار عمل بعض القضاة من المرحلة السابقة لضمان استمرارية الخدمات القضائية.
كما جرى إعداد قوائم بأسماء قضاة الإدارة الذاتية، تمهيداً لإخضاعهم لدورات تدريبية رسمية وتثبيتهم ضمن المحاكم، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في افتتاح المراكز القضائية نظراً لارتباطها بخدمات أساسية مثل الانتخابات وإصدار الوثائق الرسمية.
اللغة والهوية القضائية
ومن أبرز القضايا التي أثارت جدلاً شعبياً، مسألة إزالة اللغة الكردية من اللوحة التعريفية للقصر العدلي في الحسكة، حيث بررت الحكومة ذلك بكون المؤسسة “سيادية” ويجب أن تعتمد اللغة العربية فقط.
وفي المقابل، عبّر سكان المنطقة، خاصة فئة الشباب، عن رفضهم لهذا القرار، معتبرين أنه يمس بالهوية الثقافية واللغوية، ونتيجة لذلك، تم التوصل إلى اتفاق يقضي باعتماد اللوحات باللغتين العربية والكردية في المدن ذات الغالبية الكردية مثل “كوباني وقامشلو وعامودا والدرباسية”، على أن يُعاد النظر في وضع الحسكة لاحقاً.
وأكد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي”، أن الاحتجاجات الشعبية تعكس حساسية حقيقية تجاه قضية اللغة الكردية، مشدداً، على أهمية التهدئة وإتاحة المجال أمام التفاهمات السياسية لتترجم عملياً، دون تعطيل مسار الاندماج.
هذا ويمكن القول، نظام العدالة في روج آفا يعكس تجربة فريدة قائمة على المشاركة المجتمعية وحل النزاعات بطرق سلمية، في وقت تواجه فيه هذه التجربة تحديات سياسية وقانونية معقدة ضمن مسار الاندماج مع الحكومة السورية المؤقتة، وبينما تستمر الجهود للوصول إلى حلول توافقية، يبقى التوازن بين الخصوصية المحلية ومتطلبات الدولة المركزية عاملاً حاسماً في مستقبل هذا الملف.
No Result
View All Result