حين يُذكر مصطلح “الميثولوجيا” يتجه الذهن غالباً إلى الأساطير الإغريقية أو المصرية أو الإسكندنافية، وكأن الشعوب التي عاشت في الجبال والهضاب الشرقية لم تنتج بدورها رؤيتها الخاصة للكون والخلق والإنسان والزمن. غير أن التعمق في التراث الكردي يكشف طبقة حضارية هائلة، بقي معظمها خارج دائرة الضوء، لا بسبب فقرها أو محدوديتها، بل بسبب ضياع جزء كبير من الذاكرة المكتوبة واعتماد الثقافة الكردية قروناً طويلة على النقل الشفهي. ولهذا فإن الميثولوجيا الكردية لا تظهر أمام الباحث ككتاب مغلق أو منظومة عقائدية متماسكة مثل الأساطير اليونانية، بل كمدينة أثرية مطمورة لا تزال أطلالها موزعة بين الأغاني الشعبية، الحكايات الجبلية، الطقوس الموسمية، الملاحم، الرموز، والأمثال القديمة.
الميثولوجيا الكردية ليست مجرد قصص خيالية عن أبطال خارقين أو كائنات غامضة، بل هي انعكاس لرؤية الإنسان الكردي القديم للعالم، ولعلاقته بالطبيعة والحرية والموت والنور والخوف والجبال. ومن يقرأها بعمق يكتشف أنها تحمل آثار حضارات متراكبة تعود إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، بل وربما إلى مراحل أقدم من الزرادشتية نفسها، حين كانت جبال زاغروس تحتفظ بديانات الطبيعة والنار والشمس والأرواح الحارسة.
الكرد تاريخياً أبناء الجبال، وهذه ليست عبارة شاعرية فحسب، بل مفتاح لفهم بنيتهم الرمزية. فالجبل في الخيال الكردي ليس كتلة حجرية، بل كائناً حياً، وشاهداً أبدياً، وحارساً للذاكرة. في الحكايات القديمة تبدو الجبال كأنها تسمع وتخفي الأسرار وتحمي الفارين من الطغيان. وحتى العبارة الشهيرة “لا صديق للكرد سوى الجبال” تحمل جذوراً ميثولوجية أعمق من معناها السياسي الحديث، لأنها تعكس علاقة وجودية بين الإنسان الجبلي والطبيعة التي احتمى بها آلاف السنين.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبطت النار أيضاً بالمقدس في الوعي الكردي القديم. النار رمز للحياة والوعي والاستمرار. ولهذا بقي إشعال النار فوق المرتفعات جزءاً أساسياً من طقوس نوروز. فالنار في الخيال الكردي هي إعلان انتصار النور على الظلام، والحرية على القمع، والذاكرة على النسيان. ومن بين جميع الأساطير الكردية تبقى أسطورة كاوا الحداد والضحاك أكثرها حضوراً وتأثيراً.
تحكي الأسطورة أن الضحاك، الملك الطاغية، كانت تنبت من كتفيه أفاعٍ لا تهدأ إلا إذا أُطعمت أدمغة الشباب. وحين ضاقت البلاد بالخوف والموت، ظهر كاوا الحداد، الرجل البسيط الخارج من قلب النار والحديد، فقاد ثورة ضد الضحاك وقتله وأشعل النار فوق الجبال إعلاناً للتحرر. ظاهرياً تبدو القصة حكاية مقاومة شعبية، لكنها في جوهرها أعمق بكثير. فالضحاك في القراءة الرمزية يمثل السلطة التي تلتهم الوعي الإنساني، والأفاعي ليست مجرد وحوش، بل صور للجشع والاستبداد والخوف، بينما يمثل كاوا الإنسان الحر الذي يعيد للنار معناها المقدس بوصفها نوراً داخلياً لا مجرد لهب مادي.
واللافت أن الحداد في الأساطير القديمة لم يكن مجرد عامل معادن، بل شخصية شبه مقدسة، لأنه يتعامل مع النار والحديد والتحول. ففي الثقافات القديمة كان يُنظر إلى الحداد باعتباره قادراً على “خلق شكل جديد من المادة”، ولهذا ارتبطت شخصية كاوا بالقوة الروحية بقدر ارتباطها بالثورة. ولا يمكن الحديث عن الميثولوجيا الكردية دون التوقف عند شهماران، إحدى أكثر الشخصيات الأسطورية غموضاً في الشرق كله. شهماران كائن نصفه امرأة ونصفه أفعى، تعيش في عالم سفلي مليء بالأسرار والحكمة. لقرون طويلة جرى التعامل معها كحكاية شعبية. لكن؛ الدراسات الحديثة بدأت ترى فيها بقايا ديانة أنثوية قديمة كانت تقدّس المرأة بوصفها حاملة للمعرفة والخصوبة والحياة. فالأفعى في الموروث الزاغروسي القديم لم تكن رمزاً للشر كما أصبحت لاحقاً في بعض التفسيرات الدينية، بل كانت رمزاً للتحول والخلود وتجدد الحياة. ولهذا تظهر شهماران كأنها “الحكمة القديمة” التي خسرها الإنسان حين خان العالم الطبيعي وانفصل عن جذوره الأولى.
ومن المدهش أن كثيراً من عناصر أسطورة شهماران تتقاطع مع أساطير سومر والأناضول وبلاد الرافدين القديمة. فالكهف الذي تعيش فيه، والسر الذي تحمله، والخيانة التي تتعرض لها، كلها عناصر تشير إلى تصور قديم للعالم الباطني والمعرفة المحرمة. وبعض الباحثين يعتقدون أن قتل شهماران في الروايات المتأخرة يرمز إلى انهيار الثقافات الأمومية القديمة أمام صعود الأنظمة الذكورية المركزية.
وفي قلب الميثولوجيا الكردية يبرز أيضاً مفهوم النور بوصفه أصل الوجود. ويتجلى ذلك بوضوح في التراث الإيزيدي الذي يحتفظ بعناصر قديمة للغاية عن الخلق والكون. ففي بعض الروايات الإيزيدية كان العالم في البداية عبارة عن “لؤلؤة بيضاء” تحتوي الوجود كله، ثم انشق النور وبدأ الخلق. هذه الصورة الكونية العميقة قريبة من التصورات الغنوصية والمانوية وبعض الفلسفات الشرقية القديمة التي ترى أن العالم خرج من نور أولي سابق للمادة.
أما “ملك طاووس” في التراث الإيزيدي فلا يمكن فهمه ضمن القراءة السطحية التي اختزلته طويلاً في صورة مشوهة. فالطاووس هنا رمز كوني للنور والتعدد والخلق المتجدد. ألوانه ليست للزينة، بل تعبير عن تفرع الوجود من أصل واحد. ولهذا فإن تقديس الشمس والنار والاتجاه نحو الضوء في بعض الطقوس الإيزيدية ليس مجرد تقليد ديني، بل امتداد لرؤية كونية قديمة تعتبر النور جوهر الحياة.
ومن العناصر المتكررة بقوة في الميثولوجيا الكردية حضور الكائنات الخفية والأرواح الطبيعية. ففي الحكايات الشعبية نجد نساء الماء، وأرواح الجبال، وحراس الكهوف، والكائنات الليلية، والطيور التي تقود الأبطال إلى مصائرهم. لكن اللافت أن هذه الكائنات ليست شياطين بالمعنى المطلق، بل قوى مزدوجة؛ قد تحمي الإنسان أو تختبره أو تعاقبه بحسب سلوكه. وهذا يكشف أن العقل الكردي القديم كان يرى الطبيعة حية وممتلئة بالوعي، لا مجرد مادة صامتة.
وفي هذا العالم الرمزي تحتل الحيوانات مكانة خاصة. فالنسر يرمز إلى الحرية والعلو، والذئب إلى الصمود والبقاء، والحصان إلى النبل والقوة، بينما تظهر الطيور البيضاء كرسل بين العوالم. وهذه الرموز ليست زخارف فلكلورية، بل أجزاء من نظام رمزي قديم يرى الإنسان والطبيعة داخل شبكة روحية واحدة.
ومن أهم ما يميز الميثولوجيا الكردية أنها ميثولوجيا “شفوية”. فالكرد، بخلاف حضارات الإمبراطوريات الكبرى، لم يتركوا وراءهم أرشيفاً ضخماً من النصوص الأسطورية المكتوبة، ولذلك بقيت الأسطورة تنتقل عبر المغنين والرواة والأمهات والجدات. وهذا ما يفسر تعدد النسخ واختلاف الروايات من منطقة إلى أخرى. فالميثولوجيا الكردية ليست منظومة موحدة، بل فسيفساء من الطبقات التاريخية والثقافية التي تراكمت عبر آلاف السنين.
ولهذا أيضاً تتداخل فيها عناصر ميدية وزرادشتية وحورية وميزوبوتامية وإسلامية وصوفية وإيزيدية، لكن هذا التداخل لا يعني أنها مجرد نسخة عن غيرها، بل يدل على أن كردستان كانت عبر التاريخ منطقة عبور حضاري وروحي، احتفظت في جبالها ببقايا رؤى قديمة اندمجت وتحوّلت مع الزمن.
وقد لاحظ باحثون معاصرون أن كثيراً من الحكايات الكردية تحمل بنية “رحلة التحول”. فالبطل لا يخوض مغامرة جسدية فقط، بل يمر بموت رمزي ثم يولد من جديد بعد مواجهة الخوف أو النزول إلى العالم السفلي أو لقاء الحكمة الخفية. وهذه البنية موجودة في أقدم أساطير البشرية، من جلجامش إلى الأساطير الهندو – إيرانية، ما يدل على عمق الجذور الرمزية للتراث الكردي.
ومع ذلك تبقى الميثولوجيا الكردية من أقل الميثولوجيات دراسة في الشرق الأوسط. فما يزال جزء هائل من تراثها محفوظاً فقط في ذاكرة الرعاة والمغنين الشعبيين وكبار السن في القرى الجبلية. ومع كل راوٍ يموت تضيع طبقة جديدة من الذاكرة القديمة. ولهذا يرى بعض الباحثين أن ما نملكه اليوم ليس الميثولوجيا الكردية الكاملة، بل شظايا حضارة رمزية ضخمة نجت بصعوبة من النسيان. لكن؛ ربما تكمن قوة هذه الميثولوجيا بالذات في هذا التشتت. فهي ليست أسطورة القصور والإمبراطوريات، بل أسطورة شعب حمل ذاكرته في صوته وأغانيه وناره وجباله. ولهذا بقيت حيّة رغم كل التحولات، لأن الأسطورة حين تسكن الذاكرة الشعبية تصبح أقوى من الكتب نفسها.
المراجع والمصادر:
1- Vladimir Minorsky ـ أبحاثه حول التراث الكردي والجذور الإيرانية والزاغروسية القديمة.
2- Mehrdad Izady ـ دراسات حول الأديان والرموز الكردية القديمة.
3- Martin van Bruinessen ـ أبحاث أنثروبولوجية عن الثقافة الكردية والفلكلور.
4- دراسة: “The Shaymaran: Philosophy, Resistance, and the Defeat of the Lost Goddess of Kurdistan” في مجلة Pomegranate Journal.
Pomegranate Journal Study
5- دراسة: “The Creation according to Shamaran Myth in Kurdish Regions” حول شهماران وأساطير الخلق.
International Journal of Kurdish Studies
6- دراسة: “A Critical Reading for Classifying the Types of Kurdish Myths” حول تصنيف الأساطير الكردية.
Raparin Journal Study
7- دراسة: “The Snake’s Symbolism in Anatolian Mythology” حول رمزية الأفعى وشخصية شهماران.
Mediterranean Review Study
8- موسوعة: Kurdish Mythology – Wikipedia
9- مرجع ثقافي: Folklore Earth – Kurdish Mythology
10- كتاب: “No Friends But the Mountains” لـ Harvey Morris وJohn Bulloch حول الذاكرة والرمزية الكردية.
11- كتاب: “Kurdish Stories from My Collection” لـ Basile Nikitine حول القصص والأساطير الشعبية الكردية.
12- نقاشات ومرويات شعبية من مجتمع: Reddit Kurdistan أكرم محمد.
“وكالات”