مركز الأخبار – تبدو سوريا منذ مطلع العام الجاري ضمن دائرة جديدة من العنف، فهي أمام خريطة أمنية هشة تعيد إنتاج الخوف بأشكال مختلفة، على خلاف الخطابات التي تدعي الاستقرار المجتمعي والأمني، واستناداً إلى العديد من التقارير الموثقة تحتل النساء والأطفال مكانة أبرز ضمن قائمة الضحايا.
لم يعد الموت خبراً في سوريا، بل حدثاً لا يتجزأ من الحياة المعتادة التي يعيشها السكان، وعلى الرغم من تبدل السياسة والأدوار في سوريا، إلا إن العنف بقي سيد المواقف، في ظل غياب منظومة حماية فعالة وانعدام آليات المحاسبة التي جعلت المدنيين في دوامة الخطر، فالتقارير الموثقة خلال الربع الأول من العام الجاري “2026” تكشف حقيقة ما يجري وتنذر بالمخاطر اليومية التي تشهدها النساء والأطفال على وجه الخصوص.
العنف مشهد يومي
الأخطر في هذه الأرقام ليس حجمها وحده، بل دلالتها السياسية والأمنية. فحين يشكل المدنيون النسبة الأكبر من الضحايا، يصبح الحديث عن “انخفاض التصعيد” أو “الانتقال السياسي” ناقصاً، إن لم يكن مضللاً، فالأمن لا يقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو التصريحات الدبلوماسية، بل بقدرة الطفل على الذهاب إلى مدرسته، والمرأة إلى عملها، والعائلة إلى بيتها، من دون أن تتحول الحياة اليومية إلى رهان على النجاة.
وبحسب الإحصائيات الموثقة، توزع الضحايا على أشهر العام يكشف إيقاعاً مقلقاً، ففي كانون الثاني، سجل مقتل 289 شخصاً، بينهم 189 مدنياً، من ضمنهم 33 امرأة و39 طفلاً.
كان ذلك مؤشراً بعام يبدأ من تراكم للانكشاف الأمني، وجاء شباط ليحمل أعلى حصيلة شهرية حتى الآن، مع 582 قتيلاً، بينهم 211 مدنياً و371 من غير المدنيين، في قفزة تعكس اتساع نطاق المواجهات أو تعدد مصادر العنف أو كليهما معاً.
في آذار، تراجعت الحصيلة إلى 238 قتيلا، لكنها بقيت مقلقة؛ 188 من المدنيين مقابل 50 من غير المدنيين، فانخفاض العدد الإجمالي لم يعن بالضرورة تحسناً في حماية السكان، بل انتقال العنف إلى أنماط أكثر انتقائية أو محلية، حيث تبقى المجتمعات غير المسلحة هي الحلقة الأضعف.
في نيسان، عاد العدد إلى الارتفاع مع 246 قتيلاً، بينهم 168 مدنياً، قبل أن ينخفض في أيار إلى 107 ضحية حتى الآن، منهم 77 مدنياً. مقتل ما لا يقل عن 1462 شخصاً حتى مطلع شهر أيار الجاري، بينهم 833 مدنياً و629 من غير المدنيين يكشف عن بنية أزمة لم تعالج جذورها بعد. فالحركة صعوداً وهبوطاً لا تعني أن الأزمة تتبدل، بل أن العنف يعيد توزيع نفسه داخل بيئة شديدة الهشاشة، فلم يعد حدثاً استثنائياً مرتبطاً بجبهة محددة أو لحظة تصعيد عابرة، بل بنية كامنة داخل المشهد العام، قابلة للانفجار كلما توافرت شروطها.