تشهد الساحة السورية منذ اتفاق 29 كانون الثاني، تطورات متسارعة في ملف الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية من جهة، والحكومة المؤقتة في دمشق من جهة أخرى، وتأتي هذه العملية ضمن سياق سياسي، وأمني معقّد تشهده البلاد، حيث تتداخل فيه التفاهمات العسكرية، مع ملفات إدارية وأمنية وخدمية، وسط آمال بتحقيق استقرار نسبي، وتحديات ما تزال تعيق الوصول إلى اتفاق نهائي شامل.
بعد اتفاق 29 كانون الثاني، دخلت عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية من جهة، والحكومة المؤقتة في دمشق، من جهة أخرى، مرحلة جديدة من التفاهمات، وسط تحولات كبيرة تشهدها سوريا والمنطقة.
بدأت هذه العملية في ظل تغيّرات إقليمية متسارعة منذ عام 2023، أبرزها تصاعد الصراع في غزة ولبنان، وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية داخل سوريا، إلى جانب تغيّر موازين القوى بعد انهيار النظام السابق في كانون الثاني 2024، ما فتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
وفي خضم هذه التطورات، جاءت دعوات للحوار وتخفيف التوتر، أبرزها نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان ودعا إلى نقل الصراع من المجال العسكري إلى السياسي، لاحقاً، تبلور هذا المسار في اتفاق العاشر من آذار 2025 بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ورئيس الحكومة المؤقتة، أحمد الشرع، والذي نص على تشكيل لجان مشتركة ومناقشة ملفات عسكرية وإدارية واقتصادية. لكن رغم الاتفاق، بقيت التحديات قائمة، مع استمرار التوترات والضغوط السياسية، ما جعل التنفيذ يسير بشكل متدرج.
وفي 29 كانون الثاني، تم توقيع اتفاق جديد، ودخل حيز التنفيذ في اليوم التالي، متضمناً ملفات حساسة أبرزها إعادة تنظيم القوى العسكرية، وترتيب الوضع الأمني في روج آفا، مع الإبقاء على قوات سوريا الديمقراطية، وقوى الأمن الداخلي في مناطقها.
على المستوى العسكري، بدأت اجتماعات ميدانية في مدن الحسكة، وقامشلو، وكوباني، حيث جرى تنسيق بين قيادات من الطرفين، وشهدت بعض المناطق إعادة انتشار للقوات، إضافة إلى تشكيل ألوية جديدة ضمن تفاهمات مشتركة، كما تم الاتفاق على إعادة تنظيم القوات على شكل ألوية في مناطق الجزيرة وكوباني، مع استمرار النقاش حول التفاصيل التنظيمية، وعدد القوات، وهو ما تسبب بتأخير في بعض البنود.
في موازاة ذلك، تم تسجيل خطوات عملية مثل تعيين بعض القادة من قوات سوريا الديمقراطية، في مناصب ضمن الجيش السوري الجديد، إضافة إلى فتح قنوات تنسيق أمنية في عدة مناطق. أما في ملف الطرق والمعابر، فقد أُعيد فتح الطريق الدولي M4 الذي يربط عدة مدن رئيسية، كما فُتحت طرقاً أخرى كانت مغلقة منذ سنوات، ما ساهم في تخفيف القيود على الحركة بين المناطق.
وفي ملف تبادل الأسرى، جرى إطلاق سراح أكثر من ألف أسير من جانب الحكومة المؤقتة، مقابل مئات من جانب قوات سوريا الديمقراطية، وهناك وعود بغلق ملف الاسرى في أوقات قريبة. لكن؛ رغم هذه الخطوات، ما تزال بعض القضايا عالقة، أبرزها وضع وحدات حماية المرأة، حيث تطالب الإدارة الذاتية بالاعتراف الرسمي بها، بينما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع دمشق حول هذا الملف حتى الآن.
سياسياً، تتواصل اللقاءات بين الطرفين في دمشق، وخارجها، وسط محاولات لتثبيت التفاهمات ومنع انهيارها، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والتجاذبات الدولية.
أما على مستوى الشارع، فهناك تباين في الآراء؛ بعض المواطنين يرون أن هذه الخطوات إيجابية، وقد تمهد لاستقرار أكبر، بينما لا يزال آخرون غير مطلعين بشكل كامل على تفاصيل العملية، ما يعكس حاجة أكبر للتوضيح والتواصل مع الجمهور.
وبين تقدم محدود، وتعقيدات مستمرة، تبقى عملية الاندماج في مرحلة حساسة، لم تُحسم بعد، وما تزال تتطور خطوة بخطوة، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة.
وكالات