No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
في لحظاتِ التحولات الكبرى، لا تُقاس فرص السلام فقط بوقف إطلاق النار أو بوجود قنوات اتصال بين الأطراف المتنازعة، بل بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة السياسية. واليوم، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق فقط بإمكانية استئناف مسار السلام الذي أطلق دعوته المفكر عبد الله أوجلان، وإنما بطبيعة البيئة السياسية المطلوبة لإنجاحه، والدور الذي يمكن أن يلعبه المفكر أوجلان في أي عملية تفاوضية مستقبلية، فبعد سنوات من انهيار مسار التفاوض الذي جرى بين عامي 2013 و2015، عادت العملية السياسية إلى الواجهة مجدداً، ولكن في ظل بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً، فتركيا تواجه اليوم تحدياتٍ أمنية وسياسية متشابكة تمتد من الداخل التركي إلى شمال سوريا والعراق، فيما تبدو المسألة الكردية أكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية من أي وقت مضى.
غير إن الجدية المطلوبة لإنجاح عملية السلام ستظل بحاجة إلى بيئة سياسية تسمح للأطراف الفاعلة بالمشاركة الحقيقية في الحوار. ومن هنا، تبدو مسألة تمكين المفكر أوجلان من التواصل والتعبير والمشاركة في النقاشات السياسية عاملاً مؤثراً في بناء الحد الأدنى من الثقة اللازمة لإعادة إطلاق أي مسار تفاوضي. فالقضية لا تتعلق فقط بشخص القائد والمفكر أوجلان أو بحريته الجسدية، وإنما أيضاً بطبيعة المقاربة التي تتبناها الدولة التركية تجاه المسألة الكردية؛ إذ غلب البعد الأمني، طوال السنوات الماضية، على إدارة هذا الملف، بينما تراجعت فرص المقاربة السياسية والاجتماعية القادرة على إنتاج حلول مستدامة.
ورغم الخطوات الرمزية التي اتخذها حزب العمال الكردستاني خلال الأشهر الأخيرة لإظهار قدر من الجدية تجاه فكرة التهدئة، فإن الاستجابة التركية – وفقاً لكافة المؤشرات والمعطيات – لم تصل بعد إلى مستوى بناء بيئة تفاوضية حقيقية، فالخطاب الرسمي التركي لا يزال يتعامل مع الحزب من زاوية “العدو الأمني” أكثر من كونه طرفاً في أزمة سياسية معقدة تحتاج إلى تسويةٍ تاريخية طويلة الأمد.
وفي هذا الإطار، تبدو مسألة استمرار سياسة الإبادة والتعذيب المفروضة على المفكر عبد الله أوجلان عاملاً إضافياً يعقّد المشهد؛ فالتجارب الدولية المتعلقة بتسوية النزاعات الممتدة تشير عادةً إلى أهمية التواصل المباشر بين الأطراف الرئيسية، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالأمن المجتمعي والاستقرار السياسي. كما إن المفكر أوجلان، وبحكم موقعه التاريخي داخل الحزب، لا يمثل مجرد رمز سياسي، بل يمتلك قدرة فعلية على التأثير في البنية التنظيمية للحركة الكردية، سواء فيما يتعلق بضبط الإيقاع التفاوضي أو التأثير في قرارات التهدئة ووقف التصعيد. ولعل تجربة المفاوضات السابقة بين عامي 2013 و2015 تقدّم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ أظهرت تلك المرحلة إن تدخل المفكر أوجلان المباشر كان قادراً على إحداث تأثير ملموس في الميدان، خصوصاً بعد إعلان نوروز 2013، الذي أسهم حينها في خلق أجواءً من التهدئة النسبية. لكن، في المقابل، فإن الرهان على دوره وحده لا يبدو كافياً لإنجاح أي عملية سياسية مستقبلية. فالمشهد الكردي اليوم أكثر تعقيداً من السابق، سواء فيما يتصل ببنية وديناميات صناعة القرار داخل حزب العمال الكردستاني، أو نتيجة التحولات الإقليمية المرتبطة بسوريا والعراق، إضافةً إلى تصاعد الحساسية الأمنية داخل الدولة التركية تجاه أي مقاربة يمكن أن تُفسَّر باعتبارها «تفاوضاً» مع تنظيم مسلح. ومن هنا، فإن الحديث عن تحويل مبادرة القائد عبد الله أوجلان، أو أي جهود تفاوضية مستقبلية، إلى مسارٍ سياسي عملي، يظل مرتبطاً بمجموعة من الشروط المتوازية.
أول هذه الشروط يتمثل في وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الدولة التركية للانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة سياسية – اجتماعية أكثر شمولاً، تنظر إلى المسألة الكردية بوصفها قضية مواطنة واستقرار داخلي، لا مجرد تهديد أمني، أما الشرط الثاني، فيتعلق بقدرة الجانب الكردي نفسه على تطوير خطاب وبرنامج سياسي يحظى بقبول أوسع داخل البيئة الكردية، وكذلك داخل المجتمع التركي، بحيث لا يبقى محصوراً ضمن الإطار التنظيمي التقليدي لحزب العمال الكردستاني. في حين يتمثل الشرط الثالث في بناء إطار مؤسسي واضح للعملية التفاوضية، يتضمن ضمانات متبادلة، وآليات تنفيذ، وجدولاً زمنياً محدداً، بما يمنع تكرار حالة الانهيار التي شهدها المسار السابق.
والأهم من ذلك، أن منطق التسويات السياسية لا يقوم على فكرة “الانتصار النهائي” أو فرض الغلبة الكاملة من طرفٍ على آخر، بل على مبدأ “التدرج”، والتنازلات المتبادلة، وبناء الثقة بصورة تراكمية. ولهذا، فإن مستقبل العلاقة بين أنقرة والحركة الكردية لن يتحدد فقط بملف المفكر أوجلان، رغم أهميته المركزية، وإنما أيضاً بمدى توافر الجدية السياسية لدى الجانب التركي لإعادة تعريف قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي داخل تركيا.
فإذا استمرت المقاربة الأمنية بوصفها الإطار الوحيد لإدارة الأزمة، فإن فرص العودة إلى مسار سلام مستدام ستظل محدودة، أما إذا نجحت الأطراف المختلفة في تحويل الملف من قضية أمن قومي مغلقة إلى مسألة سياسية ومجتمعية قابلة للإدارة داخل مؤسسات الدولة، فقد يصبح الحديث عن تسوية تاريخية أكثر واقعية من أي وقت مضى. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو هذه اللحظة شديدة الحساسية، ليس فقط بالنسبة لتركيا، بل أيضاً بالنسبة لمجمل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث باتت القضية الكردية متداخلة بصورة عميقة مع ملفات سوريا والعراق والأمن الإقليمي.
غاية القول، إن أي تقدم حقيقي في مسار السلام التركي ـ الكردي لن يمثل مجرد تسوية داخلية، بل قد يشكّل مدخلاً لإعادة رسم معادلات الاستقرار في المنطقة بأسرها، ولعل ذلك ما يمثل الفرصة الأهم بل والأخيرة لمسار السلام.
No Result
View All Result