دجوار أحمد آغا
الكرد شعب أصيل من شعوب ميزبوتاميا، وهم من أوائل الشعوب التي سكنت سلسلة جبال طوروس ـ زاغروس، الكثير من الآثار وخاصة الكهوف تشهد على ذلك، والكرد مثل غيرهم من شعوب المنطقة ينقسمون قبائل وعشائر، وكما ذكر الله في كتابه المقدس القرآن (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)، فإن الكرد ومنذ آلاف السنين آمنوا بالعيش المشترك مع بقية شعوب المنطقة، وهناك أدلة كثيرة على هذا الأمر، لعل أبرزها الكونفدرالية التي قادها أجداد الكرد الميديين في العالم 612 ق.م وقضوا على ظلم الإمبراطورية الآشورية، وفتحوا عاصمتها نينوى (الموصل).
لذا؛ فإن الكرد يعودون مرة أخرى إلى الأصالة العشائرية والقيم النبيلة في التعايش المشترك مع بقية شعوب المنطقة، رغم الغدر والخيانة، التي تعرضوا لها مؤخراً على يد من مد لهم الكرد يد العون والمساعدة وقدم خيرة شبابه دفاعاً عنهم في وجه تنظيمات إرهابية غزت المنطقة، وسنتحدث في هذا المقال عن القبائل والعشائر الكردية في مناطق روج آفا وانتشارها في مناطق واسعة من سوريا، ودورها في تعزيز السلم الأهلي وحماية المجتمع.
القبائل والعشائر الكردية
وشكّلت القبائل والعشائر الكردية في سوريا عبر التاريخ أحد الأعمدة الأساسية للبنية الاجتماعية في مناطق الجزيرة والفرات وعفرين وكوباني، حيث لعبت دوراً يتجاوز الروابط العائلية التقليدية، لتصبح قوة اجتماعية وسياسية ساهمت في حفظ الاستقرار، وتنظيم العلاقات بين الشعوب المختلفة، وتعزيز قيم التعايش المشترك بين الكرد والعرب والسريان والآشوريين، ورغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال القرن العشرين، بقيت القبائل والعشائر الكردية حاضرة بوصفها مرجعية اجتماعية وأخلاقية في كثير من المناطق، خاصة في أوقات الأزمات والنزاعات.
القبائل والعشائر الكردية في الجزيرة
دعونا ننطلق من الجزيرة التي يقول “أحمد وصفي زكريا” في كتابه عشائر الشام عن العشائر الكردية الموجودة فيها ما يلي: “إن السواد الأعظم من عشائر الكرد يقطن في محافظة الحسكة، ويمتد من أقصى شمالها الشرقي في قضاء ديرك قرب دجلة، ويتجه نحو الغرب إلى قضاء قامشلو، ثم إلى سري كانية، ثم إلى كوباني”.
ومن زعماء الكرد الذين يذكرون في الجزيرة:
“نايف بن مستو باشا، وحسن بن حاجو آغا، وعبدي آغا المرعي، وخليل بك بن إبراهيم باشا مللي، وابنه محمد علي”، ومن شيوخ الكرد يذكر “الشيخ أحمد الخزنوي في قرية (تل خزنة) شرقي قامشلو، ويليه الشيخ إبراهيم حقي في قرية (حداد)، والشيخ حاج موسى بن سيد عيسى بيجرماني في قرية (سيحة)”.
ومن العشائر الكردية التي كانت تقطن الجزيرة آنذاك وما زالت هي:
عشيرة الكوجر أو كوجري ميران، ومن عين ديوار في أقصى الشمال الشرقي من الجزيرة وحتى قراتشوك، برئاسة: نايف باشا مصطفى باشا ميران.
عشيرة هسنان في قضاء ديرك وسهل هسنان الواقع في جنوب جزيرة بوتان حتى جبل قراتشوك، برئاسة الحاج عبد العزيز وميرو بن ميرو.
عشيرة آليان في منطقة آليان الواقعة بين نهر الجراح والسفوح الغربية لجبل قراتشوك، وبرئاسة عبدي آغا المرعي.
عشيرة أباسان في قرية (كر زيارت) والقرى التابعة لها، برئاسة يوسف آغا مجدل.
عشائر شيتية في السنجق أو برية خلف آغا وفرقهم المتعددة.
كاسكان برئاسة آل أحمد يوسف في قرية سيحا، حجي سليمان برئاسة حاج حمزة حسن عمر في قرية تل شعير.
دوركان برئاسة آل عباس آغا محمد عباس في قرية دوكر.
الكرسيان برئاسة حسن إبراهيم في قرية تنورية.
عشيرة (شاه بزني) برئاسة ملا حاجي في قرية جمعاية، بالإضافة إلى عدة قرى لآل غيدا برئاسة يوسف غيدا.
عشيرة هفيركان برئاسة حاجو آغا عثمان في منطقة الجراح..
وفي غرب مدينة قامشلو قبيلة (بينار آلي) المؤلفة من عدة عشائر: عشيرة تمكان برئاسة آل محو تزه وعشيرة ميرسينان برئاسة آل خلو وعشيرة بوبلان برئاسة آل قاسو وعشيرة كوكجان، برئاسة آل محي.
بالإضافة إلى عشيرة ملان خضران بين قامشلو وعامودا برئاسة عيسى آغا عبد الكريم ونواف آغا حسن.
عشيرة دقوريان في عامودا وأطرافها برئاسة سعيد آغا دقوري.
عشيرة كاباران في الجنوب الغربي من عامودا برئاسة آل هسو.
عشيرة كيكان وفرقهم المتعددة في منطقة الدرباسية برئاسة عيسى آغا رستم ودرويش حاج موسى وفرحان آغا عيسى.
عشيرة ملان في سري كانيه وسهولها الغربية حتى جبل كزوان برئاسة أبناء إبراهيم باشا مللي، بالإضافة إلى عشائر صغيرة وفرق تابعة لعشائر كبيرة.
العشائر الكردية في كوباني
أما في منطقة كوباني الكردية الأصيلة والتي تتبع سهل سروج في باكور كردستان، فقد سكنتها قبيلة البرازية الكبيرة والتي هي عبارة عن اتحاد عشائري يضم عدة فروع وهي:
ـ عشيرة “كيتكان”، تُعد من أكبر عشائر المنطقة وأكثرها انتشاراً في القرى المحيطة بكوباني.
ـ عشيرة “شيخان”، تأتي في المرتبة الثانية من حيث العدد والانتشار، ولها تاريخ طويل في المنطقة.
ـ عشيرة “شدادان”، تضم فروعاً مثل (أوخ، عاص، وعلي زر)، وهي من العشائر المقاتلة تاريخياً.
ـ عشيرة “علادينان”، وهي العشيرة التي ينحدر منها آل شاهين بك (أمراء البرازية).
ـ عشيرة “بيجان”، تتواجد بشكل مكثف في القرى الغربية لكوباني ومنطقة “تعلك”.
ـ عشائر أخرى: تضم التحالف أيضاً (زروان، دنان، ديدان، قره كيجان، ومعافان).
أما زعماء البرازية فهم من عائلة شاهين بك العائلة “الأميرية” التي تولت قيادة حلف البرازية منذ العهد العثماني، الأصل والنسب، تعود السلالة إلى جدهم “شفقت بك” (القرن السادس عشر)، وتمتد الزعامة عبر أجيال حتى وصلت إلى شاهين بك وأبنائه.
ـ “مصطفى بك شاهين”: كان نائباً في البرلمان السوري وقائداً وطنياً بارزاً، عُرف برجاحة عقله ونفوذه القوي في كوباني.
ـ “بوزان بك شاهين”: شقيق مصطفى بك، كان عضواً في البرلمان التركي الأول (1920) ممثلاً عن أورفا قبل ترسيم الحدود النهائية، ثم استقر في كوباني وأصبح من أقطاب السياسة فيها، جمعية خويبون: كان للأخوين (مصطفى وبوزان) دور محوري في تأسيس “جمعية خويبون” القومية عام 1927، واستضافوا في قريتهم “مكتلة” (ضاحية في كوباني) قادة كبار مثل الأمير جلادت بدرخان.
والجدير بالذكر، أن فرع من القبيلة انتقل إلى حماة منذ حوالي 250 عاماً (حوالي 1780م)، وأسسوا حي “المشارقة” المعروف بـ “حارة البرازية”.
البداية: قدم “عبد الله آغا” لتأمين المراعي، ثم تبعه “حمو آغا” و”باكير آغا” كقادة عسكريين.
النفوذ: برزت العائلة في حماة كعائلة أرستقراطية سياسية، وخرج منها رؤساء وزراء لسوريا (محسن البرازي وحسني البرازي).
العشائر الكردية في عفرين
وتتوزع العشائر الكردية في عفرين (جياي كورمنج)، ضمن هيكلية اجتماعية مرتبطة بالجغرافية، حيث لعبت هذه العشائر دوراً محورياً في حماية الثغور، وإدارة “سنجق كلس” في العهد العثماني، والمشاركة في الثورات ضد الانتداب الفرنسي. أبرز هذه العشائر هي:
ـ قبيلة آمكان: التي عُرف مقاتليها تاريخياً ب “فرسان الجبل” لأنهم شكّلوا القوة الضاربة في الدفاع عن المنطقة ضد الغزوات الخارجية معقلهم كان في راجو وشيخ الحديد.
ـ عشيرة بيان: والتي هي فرع من قبيلة رشوان الكبرى وتسكن في القرى المحيطة بمدينة راجو.
ـ عشيرة شكاكان: التي تنتشر بكثافة في سهول جندريسه، تاريخياً، كان لهم دور كبير في الصدامات مع الاحتلال الفرنسي ضمن “حركة المريدين”.
ـ قبيلة رشوان: وتتواجد هنا أيضاً بفروع مختلفة، وتمتاز هذه الناحية بالخصوبة الزراعية؛ ما جعل العشائر فيها تميل للاستقرار الاقتصادي القوي.
ـ عشيرة شيخان: وتسيطر على مساحات واسعة في جبل ليلون وناحية بلبل. يُنسب إليهم تاريخياً مشيخة دينية واجتماعية، وكان لزعمائهم كلمة مسموعة في فض النزاعات.
زيارة شكري القوتلي إلى قرية جرنة
ومن المحطات الهامة في تاريخ القبائل والعشائر الكردية في سوريا، الزيارة التي قام بها الرئيس السوري “شكري القوتلي” إلى قرية جرنة في منطقة الجزيرة، ولقاؤه بالآغا حسين أسعد آل محوتزة، أحد أبرز زعماء قبيلة بينار آلي ورئيس عشيرة تمكان، وقد جاءت هذه الزيارة في سياق العلاقة التاريخية التي ربطت الدولة السورية بزعماء العشائر الوطنية في الجزيرة السورية، حيث كان للآغا حسين أسعد آل محوتزة دور بارز في حماية الاستقرار المحلي، والحفاظ على وحدة المجتمع، وتعزيز روح الانتماء الوطني في مرحلة كانت سوريا تواجه فيها تحديات سياسية وأمنية كبيرة.
القبائل والعشائر الكردية والتعايش بين الشعوب
وتميّزت مناطق روج آفا تاريخياً بتنوعها القومي والديني، حيث عاش الكرد، العرب، السريان، الآشوريون، الأرمن، الإيزيديون، وحتى اليهود، ضمن فضاء اجتماعي مشترك، وكانت القبائل والعشائر، رغم اختلاف انتماءاتها، تلعب دوراً هاماً في تنظيم هذا التعايش عبر الأعراف والتقاليد الاجتماعية، في كثير من الأحيان، كانت العلاقات القبيلة والعشائرية تتجاوز الانتماءات القومية، فظهرت مصاهرات وتحالفات وتعاون اقتصادي واجتماعي بين القبائل الكردية والعربية، مما ساهم في خلق حالة من الترابط المجتمعي في الجزيرة السورية.
دورها في حماية المجتمع والسلم الأهلي
ومع بدء الأزمة السورية عام 2011، برز خطر الانقسام القومي والطائفي في مناطق روج آفا، إلا إن القبائل والعشائر الكردية والعربية لعبت دوراً محورياً في منع تفكك المجتمع المحلي، وقد عُقدت عدة اجتماعات وملتقيات عشائرية مشتركة بين الوجهاء والزعماء الكرد والعرب، كان هدفها الأساسي الحفاظ على السلم الأهلي ومنع أي صراع بين الشعوب.
ومن أبرز هذه الاجتماعات، اللقاء الذي جمع وجهاء وزعماء العشائر الكردية والعربية في ضيافة زعيم قبيلة شمر الشيخ “مانع حميدي دهام الهادي”، حيث جرى التأكيد على وحدة الصف، ورفض التحريض القومي والطائفي، والعمل المشترك لحماية الاستقرار في المنطقة، كما عُقد اجتماع آخر في قرية سارنج، بدعوة واستضافة من فهد محمد سعيد آغا زعيم عشيرة الدقورية، حيث اجتمع شيوخ ووجهاء من مختلف القبائل والعشائر الكردية والعربية للتأكيد على أهمية التعايش المشترك، وحل الخلافات بالحوار، ورفض محاولات زرع الفتنة بين أبناء المنطقة، وقد عكست هذه الاجتماعات الدور التاريخي للعشائر بوصفها قوة اجتماعية قادرة على احتواء الأزمات، ومنع امتداد الصراعات السياسية والعسكرية إلى داخل المجتمع المحلي.
ما المطلوب اليوم لمواجهة مخططات الإبادة وضمان الحقوق الدستورية؟
ومع التغيرات السياسية في سوريا، يواجه الكرد خطر الإقصاء أو التهميش أو الاحتلال، المطلوب القيام بخطوات هامة مثل:
ـ توحيد الصف الكردي من خلال التأكيد على مخرجات كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي.
ـ تعزيز التحالفات المحلية عبر بناء شراكات متينة مع العشائر العربية والشعوب الأخرى في المنطقة للحفاظ على الاستقرار والموارد.
ـ الدفاع عن المكتسبات التي تحققت بفضل دماء الشهداء وضرورة وجود نظام ديمقراطي تعددي، مع مطالب دستورية واضحة بالحقوق الكردية.
فدور القبائل والعشائر هام في هذا المجال، من خلال ضرورة أن تتجاوز قياداتها الولاءات الضيقة، وتدعم الوحدة الوطنية الكردية، إلى جانب المشاركة الفعالة في المؤسسات، وحماية المجتمع من الفتن، فالعشائر قوة اجتماعية حية يمكنها تعزيز الصمود.
وختاماً علينا أن نقول، الوحدة الكردية ليست خياراً بل ضرورة وجودية، إذا توحدت الصفوف، يمكن للقبائل والعشائر والأحزاب أن يعملا معاً من أجل ضمان مستقبل يحمي الهوية الكردية دستورياً ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، والتاريخ يشهد أن التفرقة كانت سبباً في الخسائر، والتلاحم هو طريق النصر والحفاظ على المكتسبات، القبائل والعشائر الكردية في سوريا ليست مجرد تكوينات اجتماعية تقليدية، بل هي جزء من الذاكرة التاريخية والسياسية للمجتمع الكردي في البلاد، وقد أثبتت، إلى جانب العشائر العربية، قدرتها على لعب دور وطني واجتماعي هام في حماية السلم الأهلي ومنع الانقسامات، خاصة خلال السنوات الصعبة، التي مرت بها سوريا. وتبقى اللقاءات المشتركة بين وجهاء القبائل والعشائر الكردية والعربية نموذجاً مهماً لإرادة التعايش، ورسالة واضحة بأن استقرار مناطق روج آفا لا يمكن أن يتحقق إلا بالشراكة والتفاهم بين جميع شعوبه.