روناهي/ قامشلو ـ معاناة كبيرة يحملها أبناء الجزيرة السورية معهم في رحلتهم إلى العاصمة دمشق، بحثاً عن علاج أو تشخيص دقيق افتقدوه في مدنهم، وخاصةً في قامشلو التي كانت يوماً مقصداً لأبناء المحافظات الأخرى قبل سقوط النظام البعثي البائد.
ففي السابق، كان كثيرون يتجنبون السفر إلى دمشق خوفاً من الملاحقات الأمنية والحواجز التابعة للنظام السوري السابق، بينما اليوم تغيّرت الأسباب. لكن؛ المعاناة بقيت حاضرة بأشكال مختلفة، تبدأ من مشقة السفر الطويل الذي قد يصل إلى 12 ساعة عبر شركات البولمان، ولا تنتهي عند أبواب العيادات الطبية.
وبمجرد وصولك إلى دمشق، تشعر وكأنك في مدينة من مدن الجزيرة، لكثرة المرضى القادمين من مختلف المناطق، والوجهة الأبرز للكثيرين هي عيادات الأطباء، أملاً في الحصول على علاج أفضل أو رأي طبي أكثر دقة. لكن؛ رحلة العلاج لا تقتصر على المرض فقط، بل تتحول إلى عبء نفسي ومادي إضافي، فالكثير من المرضى لا يملكون منزلاً أو أقارب يقيمون لديهم، ما يضطرهم إلى النزول في الفنادق، حيث تتجاوز تكلفة السرير الواحد لليلة الواحدة 75 ألف ليرة سورية، فيما ترتفع الأسعار أكثر، حسب مستوى الخدمة ونجوم الفندق. كما يجد القادمون للمرة الأولى أنفسهم أمام تحديات أخرى، أبرزها صعوبة التنقل داخل المدينة، والاضطرار إلى استخدام سيارات الأجرة الخاصة، وسط شكاوى متكررة من استغلال بعض السائقين للمرضى بسبب عدم معرفتهم بالعناوين والمسافات. أما المعاناة الكبرى، فتتمثل في الانتظار الطويل للحصول على موعد طبي، إذ يضطر بعض المرضى لحجز دور قبل أشهر من موعد المعاينة، وكأن المرض مؤجل ويمكن التحكم بآلامه أو توقيت تفاقمه.
وتتفاوت أجور المعاينات بين طبيب وآخر، حيث تبدأ من نحو 60 ألف ل.س وتصل إلى 300 ألف ل.س، دون احتساب تكاليف التحاليل والصور والأدوية؛ ما يجعل رحلة العلاج في دمشق لكثير من المرضى رحلة استنزاف مالي ونفسي بقدر ما هي رحلة بحث عن الشفاء.
وكل ما يمرّ به المرضى من سفرٍ مرهق وتكاليف باهظة وانتظار طويل، يكون فقط للوصول إلى نتيجة واضحة ومعرفة السبب الحقيقي للمرض أو الألم، وهي أمور افتقدها كثيرون داخل مدنهم ومناطقهم. لكن؛ الأكثر قسوة، حسب شكاوى العديد من المرضى في مدينة قامشلو، هو أن بعضهم يتلقى علاجات لا تناسب حالته أساساً، أو يتحول إلى ما يشبه “حقل تجارب” بين تشخيص وآخر، فيُفاجأ في النهاية بعبارة “اذهب إلى دمشق”.
غير أن السؤال الذي يطرحه المرضى دائماً: “لماذا لا يُقال ذلك منذ البداية؟ ولماذا يُترك المريض يصرف ملايين الليرات على أدوية وتحاليل ومراجعات، قبل أن يكتشف أن التشخيص كان خاطئاً أو ناقصاً؟”. ويؤكد الكثيرون، أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتكاليف، بل بالأضرار الصحية والنفسية الناتجة عن التشخيص غير الدقيق أو الأدوية غير المناسبة من هؤلاء الأطباء في قامشلو، والتي قد تتسبب أحياناً بمضاعفات وأمراض إضافية بدل تحسين الحالة.
وفي ظل كل ما يحدث، يبقى المواطن السوري هو الضحية الأولى، بين ضعف الإمكانات الطبية في بعض المناطق، وارتفاع تكاليف العلاج والمعاينات في العاصمة دمشق، وسط مطالبات متزايدة بضرورة تحسين الواقع الصحي، وتعزيز الرقابة الطبية، ووضع حدّ لحالات التشخيص الخاطئ والاستنزاف المادي للمرضى.