No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
عرف الشّعر الحديث أشكالاً عديدة، وتناول قضايا مختلفة بأساليب متنوّعة، وبرزت خلاله أسماء كثيرة أضافت للشعر العربي برمّته قيماً إنسانية واعدة وصوراً فنية خلّاقة، وأسّست لمدرسة شعرية جديدة أخذت من المدارس السابقة بقدر ما أضافت لها، ليكون بذلك الشعر الحديث ولادة جديدة للشعر العربي.
لم تكن قصيدة التفعيلة مجرّد تغيير أصاب شكل القصيدة بهدف خلق نَظْم جديد يكون أكثر سهولة من القصيدة الكلاسيكية ذات الشطرين كما يذهب بعض النّقّاد والباحثين، بل جاءت هذه القصيدة خلْقاً جديداً وابتكاراً إبداعياً يحتاج تكثيفاً شعورياً وإغراقاً غزيراً على مستوى الصورة والرمز والعمق الفلسفي والنفسي عند الشاعر واستحضار مكنونات الروح المبدعة بقريحتها وريشتها وكل أدوات الجمال لتكون آجلاً مضموناً لا عاجلاً مضنوناً، ومغنماً يساوي مغرمه عند أهل الفصاحة والشعر، وعليه لم يتوقّف عطاء الشعراء، بل ازداد تألّقاً وجمالاً لكيلا تنقطع الصلة ولا تشتد الجفوة بين القصيدة والشاعر حين يكتبها عاشقاً ومعذباً ومحروماً ومحارباً ومغترباً، وربما أن سوريا تصدّرت بلاد الشعر بشعرائها الذين أضافوا لقصيدة التفعيلة ما أضاف بدر شاكر السياب ونازك الملائكة في العراق وغيرهم في فلسطين ومصر واليمن وغيرها من البلاد.
القصيدة في الجزيرة السورية
اتسعت منطقة الجزيرة السورية لأسماء شعرية كبيرة أسهمت بشكل فعّال في تطوير القصيدة، واتسمت بصفات خاصة ميّزتها عن سائر البلاد السورية الأخرى، ليتصدّر هذه الأسماء الشعر الوجداني الذي يحمل في طيّاته مشاعر الوفاء والشجن وأسمى تجلّيات التعبير عن المأساة التي عاشها أبناء هذه المنطقة، فكانت القصيدة مطواعة لأوجاعهم التي نسجوها صوراً بلاغية بديعة، ولم تكن بطبيعة الحال -أي الجزيرة السورية- بعيدة عن التطور الأدبي الذي شهدته سائر البلاد على القرن الماضي في قصيدة التفعيلة، ليكون إبداع أبنائها جزءاً من الحضارة الأدبية الحديثة، وإذا ما توقفنا عند رواد القصيدة الحديثة من الشعراء المعاصرين وهم كثر لا يسعنا إلا أن نتوقّف عند تجربة شعرية فريدة أنتجتها طبيعة الجزيرة السورية بسنابلها وورودها وعطاء أنهارها رغم الجدب الذي أصابها خلال المرحلة الماضية، إلا إن تجربة الشاعر د. محمد درويش برهان حقيقي على عمق جذور أبناء هذه المنطقة بالكتابة الواعدة والإنتاج اللغوي والبلاغي والفني الرفيع الذي نقش معانيه بحروف من ذهب في ذاكرة الأدب الإنساني رغم قسوة مُناخ هذه المنطقة خلال المراحل السابقة، ورغم التهميش المتعمّد الذي عاشته والإقصاء الأزلي إلا إن بلاغة القول أبقى من أن تُمحى، وصدق العبارة وحزنها الذي يعرّي جميع أشكال الاستبداد أشد من أن يموت.
التحديث عند د. محمد درويش
إذا ما تحدّثنا عن تجربة شعرية تمتد على مدار أكثر من ثلاثين عاماً تناولت القصيدة بأشكالها كافّة وارتكز قوامها على قصيدة التفعيلة، فلابد أن نكون إزاء عالم شعري خاص تجاذبته لحظات الإلهام في ظروف متقلبة ومختلفة تماماً تجعل الشاعر د. محمد درويش شاعراً ينتمي إلى الشعراء المخضرمين في العصر الحديث، أولئك الشعراء الذين عايشوا مرحلتين مختلفتين عن بعضهما البعض تماماً، وعندما يكون الغد في سوريا توثيقاً وتاريخاً لليوم الذي نعيشه والأمس الذي عشناه، حينها سيقسّم المؤرّخون المرحلة لزمنين منفصلين ومتصلين في آن، وعليه تجعلنا هذه التجربة إزاء شاعر مخضرم طوّع القصيدة لتلامس قلوب العشّاق في زمن الحرب، وقلوب الأمهات الثكالى وأولئك المهمّشين الذين لا يجدون من يصغي لأوجاعهم ويشعر بجوع أطفالهم وهم يستظلّون بلهيب الشمس بحثاً عن قوت عيالهم ولا يجدون إلا ذلك سبيلاً، لتحضر كل هذه المشاهد الحيّة في شعر د. محمد درويش.
خصائص شعر التفعيلة
وفي حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” مع الشاعر “د. محمد درويش” أشار إلى أن قصيدة التفعيلة ليست ثورة على الشكل الكلاسيكي للقصيدة فقط، وإنما ثورة على مضمون النص الذي انتقل به شعر التفعيلة من التقليدية النمطية إلى الخلق المتجدّد، ومن التراتبية المعلومة إلى الفوضى المنظّمة في بناء الفكرة والصورة الشعرية، ومن القيد المستقيم إلى الحرية المتقنة، ومن المباشرة في بعض الأحيان عند طرح الفكرة إلى الرمز والتخييل والعمق الفلسفي.
يتابع د. محمد: “قصيدة التفعيلة أحدثت موسيقا جديدة تقوم على الإيقاع المتواتر والانسجام مع روح العصر الذي يفرض بطبيعة متغيراته واقعاً ملموساً يحتاج إلى أكثر من البحور الخليلية المعروفة للإحاطة بجميع مشاعره وتقلّباته”. وعن تجربته الخاصة أوضح د. درويش أن لكل شاعر ضالة شعرية يبحث عنها في بداياته بتجارب الآخرين من السلف الأدبي، وربما أن السياب ونازك الملائكة ومحمود درويش كانوا من أوائل من تأثر بكتاباتهم وتجاربهم المليئة بالتفاصيل والتي بطبيعة الحال يتكوّن منها الشاعر، إلى أن وجد ضالته بشخصية خاصة باتت تضيف لتجارب من سبقوه، فتخطت بذلك صفة التقليد إلى صفة الإتيان بكل ما هو جديد، وإن كانت المهمة صعبة في مضمار ضم الكثير من الأسماء الخالدة بذاكرة الشعر العربي.
وعن تبادل التأثير والتأثر يضيف د. درويش أن الشاعر يشعر في مرحلة متقدمة أن التأثر صار متبادلاً بينه وبين من سبقوه حين يبدأ بمرحلة التجديد، لتكون الموسيقا الشعرية مناسبة لمقام الحرب التي أطبقت قيودها على أعناق السوريين لأكثر من خمسة عشر عاماً، فتصبح حتى قصائد الغزل ترفاً شعورياً حزيناً على الأوراق.
ونتوقّف عند نص قصير من شعر د. محمد درويش
“أمي بغيبوبة السّكر
الملعون
تهذي بالرغيف
وتحلم بالطحين
وأنا أبيع وجه حبيبتي
وجرعة الفرح الأخيرة
مقابل حقنة “أنسولين”
أمي والسكر الملعون
في عز الصراع
وأنا المراقب والضحية
وجدتي
تمارس صومها القسري
من دون انقطاع
وإخوتي
لكسرة الخبز الموشحة بالتعفن
يؤدون التحية
واللحم مات الذوق فينا
إلا عظمة جوفاء
على شكل التميمة”
في هذه القطعة الشعرية تتجلّى ملامح القهر الأزلي في نفوس أبناء الجزيرة لتكون إشارة بعيدة للقمع والجوع الذي عاشه كل من سكن هذا المكان على امتداد العقود الماضية، وكأن الشعر هنا تصوير واقعي يُراد به تجسيد حالة شعب كامل عانى التهميش بكل الزوايا، فلم يكن يوماً كما يريد.
وفي نص آخر يظهر الشجن الدفين في أعماق النفس والذي يبدو بالأسئلة المتعاقبة، والتي تنبي عن حيرة وضياع، وإن كانت المخاطبة محبوبة بعيدة يغني سؤاله إياها عن ذاته الضائعة بأعماق أغوار قلبه السحيقة عن ألم كبير يعرفه تماماً من عاش في الجزيرة السورية فيقول:
“كليل هادئ أنت
كبحر هائج أنت
فمن أنت؟
متى جئت؟
وكيف لكوكبي المهجور
والمسحور قد جئت؟
أجيبيني
فمعركة تدور على شفتي
بين البوح والصمت
وإن شئت
أحيليني
لقارب يائس مهزوم
على شطآن أحزانك
لعود دافئ النغمات
يدندن لحن أشجانك
لطيف هادئ الخطوات
يطرق باب وجدانك
وهل أنت التي
قد اختاروك يا أنت
آبائي وأجدادي
وأسموني كما اخترت
فهذا الشيء موجود
بتاريخي
وحتى بدفتر الميلاد
أجيبيني
فمعركة تدور
على أطراف أوراقي
وأقلامي وألسنتي
فكيف لكوكبي المهجور
والمسحور قد جئت؟”.
استخدام الرمزية والواقعية
وعند سؤال الشاعر د. محمد درويش عن ولادة القصيدة الأولى لديه بيّن أنها تولد في القريحة باللاشعور دون قرار، وتتعالى أصواتها عندما تتصل الفكرة بالشعور، ممّا يدفع بصاحبها إلى عوالمه الخاصة التي يستطيع من خلالها أن يكون حرّاً يمتلك الإرادة ليقول ما يريد، وتتطور تداعيات الفكرة لتتسع آفاقها فتأتي القصيدة فتاة جميلة بكامل حُليّها وزينتها على الورق، وربما تكون المتنفس الوحيد لتمرير أي فكرة واقعية يستعيض بها عنها، الأمر الذي يجعل الرمزية صفة لقصيدة التفعيلة أكثر منها بقصيدة الشطرين كأن يقول:
“ها أنا يا فقر
وغرفة الطين الوحيدة
أوصدت أبوابها”
تعتبر تجربة د. محمد درويش تحرّراً واقعياً من قيود الوزن إلى جوهر القصيدة دون التخلّي عن قواعد القصيدة العروضية، ممّا فتح الباب للغوص بأعماق النفس البشرية وتقلّباتها ورغباتها وتمسّكها بالحياة، وتخطّى القصيدة في بعض الأحيان إلى النثر ليجد نفسه بالقصة القصيرة جداً، الأمر الذي يضعنا أمام تجربة أدبية غنية وفريدة أضافت للشعر والنثر وأثرت بهما بشكل كبير في الجزيرة السورية.
ويذكر أن الشاعر د. محمد درويش من مواليد ريف مدينة الحسكة الجنوبي عام 1980 حاصل على إجازة في اللغة العربية وإجازة في الحقوق ودكتوراه في العلاقات الدولية وله ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة.
“أول اعترافات الندى.. شعر عام 2003”
“قراءات أمي.. شعر عام 2004”
“صفعات قاسية على جبيني.. قصص قصيرة جداً عام 2004”.
No Result
View All Result