No Result
View All Result
ضياء إسكندر
كزائرٍ غامض لا يطلب الإذن، يهبط الحلم في الليل، هامساً بما لم يحدث بعد، وتاركاً صاحبه يتأرجح بين الذهول والتأويل. هل يمكن للحلم أن يكشف ما تعجز العين عن رؤيته!؟ هل له قدرةً خارقة على اختراق جدار الزمن!؟
هذا ما يُعرف بـ “الاستبصار بالحلم”، الظاهرة التي تتأرجح بين العلم والماورائيات، بين التحليل النفسي والادعاء الروحي. 
حين يتكلّم اللاوعي بلغة المستقبل
لا يؤمن علم النفس بالمعجزات، لكنه لا يُنكر عبقرية العقل الباطن، فالحلم الاستبصاري، وفقاً لبعض الباحثين، ليس سوى نتيجة لتحليل داخلي بالغ التعقيد، حيث يربط الدماغ بين آلاف التفاصيل التي مرّت دون أن ننتبه لها؛ كأن ترى في منامك مرض أحدهم، لأنك لاحظت شحوب وجهه أو تغيّر نبرته دون وعي، فيُعيد الحلم ترتيب هذه الإشارات ليصوغ نبوءة. لكن؛ العقل البشري، في لحظات ضعفه، يحب أن يصدّق أنه يمتلك “الحاسة السادسة”، فيتذكّر فقط الأحلام التي تحققت، وينسى آلاف الأحلام التي تبخّرت مع أول فنجان قهوة. وهنا، يتسلّل وهم الاستبصار، متنكّراً في زيّ الحدس.
بين الرؤيا والرمز.. حين يتكلّم الحلم بلغة الغيب
في بعض الثقافات الروحية، يُنظر إلى الحلم الاستبصاري كنافذةٍ على الغيب، أو رسالةٍ من عوالم أخرى. الرؤيا الصادقة، كما في التراث الديني، تُفصَل عن أضغاث الأحلام، وتُعامَل كإلهامٍ أو تحذير. لكن؛ من يملك سلطة التمييز؟ ومن يضمن أن الرمز ليس إسقاطاً لرغبةٍ دفينة أو خوفٍ متجذّر؟
الحلم، في هذه القراءة، يتحوّل إلى طقسٍ كوني، حيث يتداخل الزمان والمكان، ويصبح النائم رسولاً مؤقتاً، يتلقّى إشارات لا تُفسَّر إلا بعد وقوعها، وهذه القراءة، على الرغم من شاعريتها، تفتقر إلى البرهان، وتُغري بالخلط بين الحدس والادعاء.
العلم لا يصفّق للغيب
حتى الآن، لا تشير الدراسات العلمية إلى وجود قدرة بشرية مثبتة على رؤية أحداث مستقبلية عبر الأحلام. كل ما في الأمر هو تراكم معرفي، وتحليل داخلي، وربما حدسٌ متّقد. أما حالات “تطابق الحلم مع الواقع”، فهي غالباً ما تخضع لما يُعرف بالانحياز الإدراكي؛ إذ يُعاد تفسير الحلم بعد وقوع الحدث، ويُعاد ترتيب تفاصيله بما يجعله أكثر انسجاماً مع النتيجة. العقل يحب القصص المتقنة، ويكره الفوضى. لذا؛ حين يتحقّق حلمٌ ما، يُضخّمه صاحبه، ويُعيد صياغته، ويُغفل التفاصيل التي لا تتطابق، وهكذا، يُصنع الاستبصار من وهمٍ مُنمّق، لا من حقيقةٍ دامغة.
الحلم ليس نبيّاً. لكنه؛ ليس أحمق
الاستبصار بالحلم ليس خرافة مطلقة، كما أنه ليس نبوءة مقدّسة أيضاً، هو تفاعلٌ بين الحدس، والخبرة، واللاوعي، وقد يحمل قيمة رمزية أو تحذيرية، لكن أن نمنحه سلطة الغيب، فذلك قفزٌ فوق العقل، وتغذيةٌ لوهمٍ مريح.
الحلم لا يطلب التصفيق، لكنه يطلب الإصغاء. فربما لا يرى المستقبل، لكنه يرى ما نخاف أن نراه، وما نعرفه دون أن نعترف به.
No Result
View All Result