د. آمال بوحرب
تنطلق الكتابة الأدبية من صلة وثيقة بالواقع. فالعمل الإبداعي يلتقط تحولات المجتمع ويعيد تشكيلها في صورة فنية تكشف المعنى وتفتح أفق التأمل. ومع تغير الحياة الاجتماعية واتساع أثر التقنية وتبدل أنماط العيش، أصبحت الرواية مطالبة بمواكبة هذا التحول، وبالإنصات إلى حركة الإنسان داخل عالم سريع التبدل، حيث تتجاور الذاكرة مع الصورة، والذات مع الوسيط الرقمي، والحقيقة مع التمثيل. وتتجه هذه القراءة إلى رواية «شبابيك حياة مسروقة» للكاتبة ريما آل كلزلي بوصفها نصًا يقترب من هذه التحولات، ويرصد أثرها في الهوية، والعلاقة بالآخر، والوجود داخل عالم متحول.
منذ القراءة الأولى تكشف لنا الرواية عن حس سردي يتابع الإنسان في لحظة اضطراب، حين تتداخل حياته الخاصة مع أسئلة الظهور والاختفاء، والانتماء والتشكل، والحضور والنسخة. وتتيح للقارئ أن يتأمل صورة الذات في زمن تتبدل فيه الوسائط وتتغير طرائق الإدراك، فتغدو «الشبابيك» علامة على الانفتاح على العالم، وعلى انكشاف الإنسان أمامه في الوقت نفسه. وتنفتح القراءة على أبعاد الرواية الفنية والفكرية، وتقترب من بنيتها التي تعكس مجتمعًا يتحرك في أكثر من اتجاه، وتستدعي أسئلة الهوية والمعنى ضمن سرد معاصر شديد الحساسية تجاه الواقع.
تقدم رواية «شبابيك حياة مسروقة» بناءً سرديًا يكشف عن أزمة عميقة تتصل بانفصال الإنسان عن صورته، وعن الذاكرة التي تمنحه الاستمرار والمعنى. ويمكن قراءة الرواية بوصفها تأملًا في مصير الإنسان الحديث، حين يصبح وجوده قابلًا للنسخ والتأويل وإعادة البرمجة، حتى تغدو الحياة نفسها شبيهة بسيرة مزيفة تُكتب نيابة عن صاحبها. ويقترب هذا المعنى من سؤال جان بودريار حول السيمولاكر، حيث صارت الصورة تحل محل الأصل وتفرض نفسها بوصفها الحقيقة الوحيدة.
السيمولاكر وصناعة الذات
يفتتح النص مشهده الأول من داخل متجر الدمى، حيث تتجاور البراءة مع الصمت، واللعب مع التشييء، والطفولة مع التمثيل. هذه البداية تؤسس منذ اللحظة الأولى لفكرة أن الكائن الإنساني يتعلم العالم عبر الأشكال المصنوعة قبل أن يتعلمه عبر التجربة المباشرة. ويمكن استدعاء بودريار مرة أخرى، ورولان بارت في حديثه عن الأسطورة الحديثة، إذ تتحول الأشياء اليومية إلى أنظمة دلالية. فالدمية، في هذا السياق، صورة أولى للذات المأسورة داخل نموذج جاهز، وهو ما يجعل الرواية تعالج تشكل الهوية بوصفه دخولًا متدرجًا في نظام التمثيل.
التقنية بوصفها أفقًا وجوديًا
حين تنتقل الرواية إلى فضاء الرقمنة، فإنها تعرض التقنية كعالم شامل يعيد ترتيب الوعي واللغة والعلاقة بالآخر. وهذا يلتقي مع مارتن هايدغر، الذي رأى أن التقنية الحديثة نمط في الكشف عن الوجود يختزل الإنسان والعالم إلى موارد قابلة للتوظيف. يصبح الأفاتار، والمنصة، والبيئة الافتراضية بنية وجودية جديدة تمارس داخلها الذات وتُقاس بها. صار الإنسان يسأل: كيف أظهر؟ كيف أبرمج؟ وكيف أُقرأ داخل الشاشات؟ وتتبدى الرواية كتشخيص أدبي لاستعمار الوعي عبر التقنية.
الذاكرة والكتابة
تُعد علاقة الرواية بالكتابة من أقوى مفاصلها، حين تتحول الكتابة من أداة للتعبير إلى وسيلة للنجاة، ثم إلى موضع للسرقة والمصادرة. وقول آدم إنه يكتب لكي يرى الشيء يبتعد عنه يكشف أن الكتابة محاولة لتحرير الذات من سلطة الذاكرة. وهذا يذكرنا بمارسيل بروست، حيث تكون الذاكرة انبعاثًا للزمن المفقود في شكل جديد، كما يذكرنا بجيل دولوز، الذي نظر إلى الذاكرة كقوة تنتج الاختلاف أو تعيد تكثيف الألم. تصبح الكتابة في الرواية فعلًا وجوديًا مزدوجًا؛ فهي خلاص من الذاكرة، وفي الوقت نفسه عرضة لأن تتحول إلى مادة مسروقة يُعاد تدويرها داخل النص ذاته.
الصمت والآخر
تكتسب علاقة آدم بأبيه قيمة فلسفية خاصة؛ لأن الصمت شكل من أشكال الانسحاب الوجودي. وهذا يقودنا إلى إيمانويل ليفيناس، إذ يكشف الصمت هشاشة العلاقة مع الآخر، لأن الوجه الغائب أو الكلام غير المنطوق يترك الذات في مواجهة مسؤولية. يبدو الأب الصامت علامة على تاريخ غير مكتمل، وعلى أبوة لم تبنِ بيتًا للمعنى. هذا الصمت جرح مؤسس، كأن السرد يقول إن الهوية تبدأ سرقتها أحيانًا من داخل البيت نفسه.
الميتا – رواية وتفكك الأنا
حين تدخل الكاتبة ريما آل كلزلي إلى النص بوصفها شخصية، وتتشابك حدود المؤلف والشخصية والراوي، تتحول الرواية إلى ميتا – رواية تفضح هشاشة مفهوم الأصل نفسه. يصبح القارئ أمام سؤال قريب من ميشيل فوكو: من يتكلم؟ ومن يملك سلطة إنتاج المعنى؟ تعرض الرواية الذات كتركيب خطابي قابل للتبدل، أي أن الهوية أثر من آثار السرد. وهذا ما يجعل «الحياة المسروقة» تشير إلى وضع إنساني عام: الإنسان المعاصر يُنتج عبر صورته، ثم يفاجأ بأن صورته سبقت وجوده نفسه.
مقاربة في تحوّل الهوية من الذاكرة إلى التمثيل الرقمي
تقترب «شبابيك حياة مسروقة» من أعمال أدبية جعلت الهوية سؤالًا مركزيًا، مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«البحث عن الزمن المفقود» لبروست. في «موسم الهجرة إلى الشمال»، تتجسد الهوية بوصفها صراعًا مع الذاكرة والتاريخ والاستعمار، حيث يعيش مصطفى سعيد انقسامًا حادًا بين عالمين، ويتحول إلى كائن يعيد تمثيل ذاته داخل مرآة الآخر الغربي. ويكثّف قوله: «أنا لستُ عطيلاً، عطيل كان أكذوبة» هذا الوعي المأزوم بالهوية، إذ يكشف عن إدراك الذات لكونها واقعة داخل تمثيل مفروض عليها، وسعيها في الوقت نفسه إلى خلخلة هذا التمثيل وإعادة تعريف نفسها.
ضمن هذا الأفق، تتشكل الهوية عبر التوتر بين الأصل والصورة، لكنها تظل مرتبطة بتجربة معيشة، وبذاكرة يمكن استعادتها، وبسرد يمنح الذات إمكانية الفهم وإعادة البناء. أما في «شبابيك حياة مسروقة»، فإن هذا الأفق يتغير جذريًا، لأن الهوية لم تعد تُبنى على الذاكرة بوصفها استرجاعًا، بل على التمثيل بوصفه إنتاجًا. تدخل الذات في نظام من الوسائط الرقمية التي لا تنقل التجربة، بل تعيد تشكيلها وفق منطق الصورة والخوارزمية، فتغدو الهوية نتيجة لسلسلة من عمليات النسخ، والتعديل، والعرض. هنا تفقد العلاقة بين الأصل والصورة استقرارها، إذ لا تعود الصورة انعكاسًا لكيان سابق، بل تصبح إطارًا يُعاد من خلاله تعريف الكيان نفسه.
بهذا المعنى، تتحول الهوية من تجربة تُعاش إلى بنية تُنتج، ومن سرد يستعيد المعنى إلى نظام يوزّع المعاني عبر واجهات متعددة. يتبدل موقع الذات من مركز للخبرة إلى نقطة داخل شبكة، وتخضع لتدفق مستمر من التمثيلات التي تسبقها وتعيد تشكيلها. وفي هذا التحول، يلتبس الحقيقي بالمصنوع، لأن الواقع نفسه يدخل في منطق المحاكاة، حيث لا تُقاس الأشياء بأصولها، بل بقدرتها على الظهور والتداول.
تُعيد الرواية، عبر هذا التصور، صياغة سؤال الهوية بوصفه سؤالًا عن شروط إنتاجها: كيف تتشكل الذات حين تُكتب خارجها؟ وكيف يُدرك الإنسان نفسه داخل عالم تُسبق فيه التجربة بصورتها؟ وأي معنى يبقى للهوية حين تغدو قابلة للنسخ بلا أصل مستقر؟
الوجود القلق وصناعة المعنى
تفتح رواية «شبابيك حياة مسروقة» أفقًا وجوديًا واضحًا، لأنها تضع الإنسان في مواجهة ذاته وهو يحاول أن يفهم معنى حضوره داخل عالم سريع التبدل. فآدم يظهر بوصفه كائنًا يبحث عن اسمه، وعن صورته، وعن أثره في ذاكرة الآخرين، في لحظة يصبح فيها الوجود نفسه سؤالًا مفتوحًا حول الأصل والنسخة، والحضور والغياب، والحرية والانتماء. ومن هذه الزاوية، تقترب الرواية من التصور الوجودي عند سارتر وكامو وهايدغر، حيث يغدو الإنسان مشروعًا قلقًا يصنع معناه وسط عالم يضغط عليه بالفراغ والتشظي، بينما تتحول الكتابة إلى محاولة لإنقاذ الذات من التبدد، وإعادة جمع شتات الكيان في زمن تتكاثر فيه الصور والواجهات. ويؤكد هذا المنحى ما ذهبت إليه إحدى القراءات النقدية للرواية، إذ أشارت إلى أنها «لامست ملامح إنسانية وأبعادها الاجتماعية والنفسية» في فضائها الواقعي والافتراضي، وهو ما عبّر عنه سارتر بقوله: «الإنسان ليس إلا ما يصنعه من نفسه».
في النهاية، تبدو إنها رواية عن الإنسان حين يفقد امتلاكه لقصته، وحين تصبح حياته عرضة؛ لأن تُكتب بالنيابة عنه. إنها تطرح أزمة أنطولوجية: من أنا إذا كانت صورتي تسبقني، وإذا كانت ذاكرتي قابلة للسرقة، وإذا كان اسمي نفسه يدخل في لعبة التمثيل؟
وتظل الرواية، في أعمق مستوياتها، سؤالًا مفتوحًا عن معنى أن تكون الذات حاضرة حقًا في زمن صار الحضور نفسه فيه قابلًا للاصطناع.