أ.د. وسام علي الخالدي
تأخذنا الكاتبة والروائية اليمنية حورية الإرياني في روايتها “خضرا” إلى عوالم مثقلة بالواقعية الاجتماعية والألم الإنساني الصرف، مقدمةً وثيقة أدبية وإنسانية استثنائية حول الهوية، والعدالة، وقدرة الذات على التحرر من حتميات الأقدار وسلاسل التهميش.
الرواية ليست مجرد تدوين تقليدي لسيرة متخيلة، بل هي تشريح عميق للمجتمع والذات والصراع المرير الذي تخوضه البطلة “نور” لاسترجاع كينونتها من براثن الضياع، عبر لغة سردية دافئة وتدفق فني ينساب كدمعة حارة في ليلة صنعائية باردة.
تبدأ الرواية بهيكل زمني معكوس ينطلق من “النهاية” الموشاة بأصوات سيارات الإسعاف التي تمنح بقايا الأحياء حافزاً للتشبث بالحياة، ليعود بنا السرد مجدداً لرسم ملامح “البداية” في ليلة من ليالي كانون الباردة. هذا التداخل الزمني يعكس تشظي الذاكرة لدى الطفلة التي ترتعد خوفاً خلف النافذة منتظرةً “خضرا”، المرأة التي كانت ملاذها الوحيد، قبل أن تشهد وهي طفلة لم تتجاوز الخامسة مأساة مروعة تظن فيها أن خضرا قد قُتلت في بركة من الدماء. تفر الطفلة إلى أزقة صنعاء وأرصفتها، لتواجه التيه والتشرد، وتتعلم على يد بائع المطعم “يحيى” معنى الأسماء وقيمتها، قبل أن يستقر بها المقام على عتبات الجامع حيث تلتصق بها صفة “مسكينة” كلقب وهوية بديلة فرضها عليها الشارع والناس.
يتسع البعد النقدي والاجتماعي في الرواية بشكل جلي مع دخول البطلة إلى كنف “العم ناجي”، الرجل الطيب الذي عطف عليها ووفر لها مكاناً للنوم في الجامع، ثم أدخلها بيته لتسكن مخزن المؤن في الحوش وتعمل كخادمة لزوجته التي تفيض قسوة وجفاءً بذريعة حماية مكانة الدار من ماضي الفتاة المجهول. وعبر هذا الوجود الهامشي، تواجه الفتاة مخاطر الشارع وصدمات الوعي المبكر، ومنها محاولة التحرش التي تعرضت لها في دكان “صالح الدوهي” وصراخها الذي ابتلعته مكبرات صوت أذان المغرب، لولا تدخل العم ناجي لإنقاذها. وتزداد الرواية عمقاً ودرامية عند الكشف المفاجئ عن نسب البطلة؛ إذ تكتشف لاحقاً أن “خضرا” لم تمت بل عولجت في المستشفى وأصبحت تعمل فيه، لتفجر المفاجأة الكبرى بأن خضرا هي أمها الحقيقية، وأنها ابنة “خالد” ابن العم ناجي نفسه. هذا الترابط العائلي الصادم يعري زيف الحسابات الاجتماعية؛ فقد عاشت البطلة كخادمة و”ابنة شارع” في بيت جدها الذي أنكر نسبها وعانت فيه من ازدراء عمتها وسماح أخت والدها، خوفاً من الفضيحة الاجتماعية والتغطية على طيش الابن المهاجر. برغم السوداوية التي تفرزها الظروف المحيطة بنور، ولا سيما الجفاء المطبق بعد وفاة العم ناجي وطردها من الدار، فإن النص لا يغرق في البؤس المطلق بل يتجه نحو كتابة سردية ملهمة للمقاومة والصمود. بفضل إرادتها ودعم نساء طيبات مثل “أمي زهر” وصديقتها “نبيلة” اللواتي ساعدنها في محو أميتها، تمكنت “نور” من التحرر من لعنة الأمية واستعادة اسمها الحقيقي كبديل لاسم “خضرا” المثقل بالرعب والدموع. ويصل هذا الانتصار الإنساني ذروته عند قبولها في كلية الطب وتخرجها في سن الثامنة والعشرين كطبيبة ناجحة تعمل في نفس المستشفى الذي شهد فصول مأساتها وموت كافلها، لتصبح “الدكتورة نور” التي تحلق بعيداً عن أرصفة البؤس والضياع.
تستعين حورية الإرياني بأدوات تعبيرية غاية في الدقة والرمزية لتصوير أعمق المشاعر النفسية؛ فـ “العقد الأخضر” الذي تارة يمثل دفء الأم وتارة يمثل تهمة السرقة، و”اللحاف الدافئ” الذي رافق البطلة طوال عمرها كشاهد على انكساراتها، و”عصافير الدوري” التي تذكرها بحرية خضرا، و”شمس صنعاء الشتوية المتحيزة” التي لا تمنح الفقراء دفئاً بل تزيدهم شعوراً بالعوز، كلها صور مجازية تشكل نسيجاً روائياً يجمع بين رهافة البلاغة وعمق المأساة. وفي نهاية هذا المسار الشائك، تصل نور إلى تلمس حقيقتها الخاصة متصالحة مع ماضيها وشارعها، لتدرك أن الأقدار لم تكن يوماً لتسحقها ما دامت خيوطها بيدها هي، فبقيت “نور” علامة فارقة في الرواية اليمنية المعاصرة كرمز للتجاوز، والأمل، وصياغة المصير من رحم المعاناة. وعلى ضوء هذا المسار السردي الملحمي، تبرز رواية “خضرا” كمرثية للمهمشين واحتفاءً في الوقت ذاته بالانبعاث من جديد.
إن ما قدمته حورية الإرياني ليس مجرد حكاية عن طفلة تائهة، بل هو نقد بنيوي عميق للمفاهيم المجتمعية حول “الشرف” و”النسب” و”الطبقية”، حيث استطاعت الكاتبة أن تجعل من جسد “نور” الصغير وطناً مستباحاً يلملم جراحه بنفسه، ليعيد تعريف معنى الانتماء بعيداً عن صكوك الاعتراف العائلي المتأخرة.
ففي اللحظة التي تكتشف فيها “نور” الحقيقة الصادمة عن نسبها لبيت “العم ناجي”، لا تستسلم لمشاعر الحقد أو الرغبة في الانتقام التقليدي، بل تختار طريق العلم كفعل تطهيري. إن تحولها إلى طبيبة في نفس المشفى الذي كان مسرحاً لمآسي عائلتها، يحمل دلالة رمزية هائلة؛ فهي الآن من يداوي الجروح التي عجز المجتمع عن تضميدها. ومن هنا، تمنح الإرياني للقارئ درساً في “الأرستقراطية الأخلاقية”، حيث تسمو الضحية فوق جلاديها ليس بالصمت، بل بالنجاح والتحقق الذاتي الذي يفرض نفسه فرضاً على الجميع.
ختاماً، تظل “خضرا” رواية تجبرنا على الوقوف طويلاً أمام مرايا ذواتنا، وتسائلنا عن عدد الأرواح التي سحقناها في أزقتنا باسم العرف أو الخوف من الفضيحة. إنها صرخة أدبية بلسان يمني فصيح، تؤكد أن الهوية ليست اسماً يمنح لنا في شهادة ميلاد، بل هي تلك القوة الكامنة التي تجعلنا نبتسم في وجه سيارات الإسعاف، ونبني من حطامنا منارة للضوء، تماماً كما فعلت “نور” التي بدأت كظلمة في زقاق، وانتهت كاسم على مسمى يضيء عتمة الحكايات المنسية.