روناهي/ قامشلو ـ تتواصل الخلافات بين اللاعبين والأندية في سوريا، على امتداد مختلف الدرجات والفئات العمرية، في ظلِّ غيابِ أُطرٍ قانونية واضحة تُنظّم العلاقة بين الطرفين وتضمن حقوقهما.
وتعتمد العديد من الأندية على اتفاقات غير رسمية مع لاعبيها، غالباً ما تكون “كلامية”، دون وجود عقود نظامية ملزمة، ومع انطلاق المنافسات، تبدأ المشاكل بالظهور، خاصةً عند إخلال بعض الإدارات بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها تأخّر أو عدم دفع الرواتب.
وأمام هذا الواقع، يجد اللاعب نفسه مضطراً للبحث عن مصادر دخل بديلة، فيتجه للمشاركة في البطولات الشعبية، كالسداسيات والسباعيات على الملاعب الصغيرة، لتأمين لقمة عيشه، لا سيما بعد أن تحولت كرة القدم بالنسبة للكثيرين من مجرد هواية إلى مصدر رزق أساسي.
في المقابل، تعجز الأندية عن فرض أي التزام على اللاعب بعدم المشاركة في تلك البطولات، خصوصاً في حال عدم دفع مستحقاته، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق فجوة الثقة بين الطرفين.
ومع تغيّر المفاهيم، لم تعد شعارات “الوفاء للنادي” كافية لضبط العلاقة، إذ تصطدم هذه القيم بواقعٍ اقتصادي صعب يفرض نفسه، ويجعل الاستقرار المالي أولوية لا يمكن تجاهلها.
وتشير الوقائع إلى إن عدداً كبيراً من اللاعبين حُرموا من حقوقهم المالية، في ظلِّ غياب جهة رقابية فاعلة أو عقود قانونية تحميهم من الاستغلال، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة واستمرارها.
وفي مثال يعكس حجم الإشكالية، أقدم أحد الأندية السورية في الموسم الماضي على إيقاف عدد من لاعبيه بحجة مشاركتهم في بطولات شعبية، مؤكداً في الوقت ذاته أنه سدد كامل مستحقاتهم المالية، وهو ما نفاه اللاعبون، لتبقى الحقيقة عالقة بين روايتين متناقضتين.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن غياب التشريعات الواضحة والآليات التنفيذية الفعالة ستُبقي هذه الخلافات مفتوحة دون حلول جذرية، ما لم يتم التحرك الجاد لتنظيم العلاقة بين اللاعبين والأندية على أسسٍ قانونية عادلة تضمن حقوق الجميع.
وفي قراءة أعمق للمشهد، لم تعد هذه الخلافات مجرد حالات فردية، بل تحوّلت إلى أزمةٍ بنيوية تضرب أساس كرة القدم السورية، حيث يغيب التنظيم وتحضر العشوائية، إن استمرار العمل بعقودٍ “كلامية” وغياب جهة رقابية مستقلة وفعّالة يفتح الباب أمام استغلال اللاعبين من جهة، وتفلّت بعضهم من التزاماتهم من جهة أخرى، ما يُفقد اللعبة توازنها ويضرب مصداقيتها.
الحل لا يكمن في تحميل المسؤولية لطرفٍ دون آخر، بل يبدأ بإعادة بناء المنظومة على أسسٍ قانونية واضحة، عبر إلزام جميع الأندية بتوقيع عقود رسمية موثّقة، وإنشاء لجنة مختصة مستقلة للفصل في النزاعات تضمن سرعة البت والعدالة، إضافةً إلى فرض رقابة حقيقية على الالتزامات المالية، مع عقوبات واضحة على أي طرف يُخلُّ بها، كما أن دعم الأندية مالياً وتنظيمياً يُعدُّ خطوةً ضرورية لتخفيف الضغوط التي تدفعها أحياناً للتنصل من واجباتها.
دون هذه الإجراءات، ستبقى الكرة السوريّة تدور في حلقةٍ مُفرغة من الخلافات، وسيستمر نزيف المواهب التي تبحث فقط عن الحد الأدنى من العدالة والاستقرار.