روناهي/ قامشلو – عن دار آفا للنشر والتوزيع تصدر قريبا للكاتب السوري عمران علي (دوست) رواية بعنوان” مَسيرُ باباكَ ورِياحُ هاوارنێڤ – طِينٌ يَهجُسُ، وَلُغَةٌ تَتَهَجَّى المَنْعَ قَبْلَ اِنْبِسَاطِ الحَرف “. وفيها نقرأ: “كانَ الطِّينُ، مُذِ اسْتَوَى في كَفِّ الخَلْقِ، يَتَهَجّى أَسْماءَهُ الخَفِيَّةَ بِأَبْجَدٍ مِنَ الصَّمْتِ، كَأَنَّ اللُّغَةَ وُلِدَتْ قَبْلَ الحَنْجَرَةِ، وَكَأَنَّ الذَّاكِرَةَ ما كانَتْ سِوَى أَثَرِ رُطوبَةٍ على جِدارٍ لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ. لَمْ يَكُنْ طِينُ الشَّمالِ تُراباً مُبْتَلّاً، بَلْ جُغْرافْيا مِنَ النِّسْيانِ، يُعِيدُ رَسْمَ نَفْسِهِ كُلَّما عَبَرَتْهُ قَطْرَةُ مَطَرٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ العُلُوِّ وَالسُّقوطِ. كانَ يُراوِغُ الزَّمَنَ كَكائِنٍ يَكْرَهُ اليَباسَ، وَيَفْتَحُ في فَوْضاهُ مَمَرّاً لِلأَنْفاسِ القَديمَةِ الَّتي ظَلَّتْ تَتَعَثَّرُ بِلُغَتِها، في الحَناجِرِ الَّتي خُنِقَتْ بِأَناشيدٍ لَيْسَتْ لَها.
تَحْتَ قِبابِ الغَيْمِ، كانَتِ القُرى تَحْتَمي بِوُحولِها مِنَ النِّسْيانِ، وَتَغْتَسِلُ بِماءِ الخُرافَةِ لِتَتَطَهَّرَ مِنْ خَطايا الخَرائِطِ. كانَ في رائِحَةِ الطِّينِ نَشيدٌ لا يُسْمَعُ، يَتْلُوهُ الأَطْفالُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّموا الكَلامَ، وَتُنْصِتُ إِلَيْهِ الدِّيَكَةُ قَبْلَ الفَجْرِ كَأَنَّها تَسْتَعيدُ وَصاياها الأُولى حينَ خُلِقَتْ لِتُعْلِنَ الضَّوْءَ، لا لِتُسَبِّحَ بِاسْمِهِ. في الشَّمالِ، حَيْثُ تَتَناسَلُ الرِّياحُ مِنْ أَرْحامِ الرِّياحِ، لا يَنْجو شَيْءٌ مِنْ لَعْنَةِ النُّطْقِ. الحَصى يَتَهَجّى أَوْجاعَهُ، وَالقِطَطُ تُفَكِّرُ بِلُغاتٍ لا تُكْتَبُ، وَالأَرْضُ نَفْسُها تَتَأَمَّلُ في جَسَدِها حينَ يَبْتَلُّ، كَأَنَّها تَكْتَشِفُ أَنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ إِلَّا خِيانَةً صَغيرَةً لِجَفافٍ قَديمٍ. النّاسُ هُناكَ ـ أُولئِكَ الَّذينَ يَزْرَعونَ أَصْواتَهُمْ في الطِّينِ ـ كانُوا يَظُنّونَ أَنَّ المَطَرَ ضَيْفٌ سَماوِيٌّ، وَلَمْ يُدْرِكوا أَنَّهُ رَسولُ الأَرْضِ إِلَيْهِم، يَعودُ كُلَّ عامٍ لِيُذَكِّرَهُمْ بِما نَسوهُ: أَنَّ الأَوْطانَ تُبْنى مِنَ الرُّطوبَةِ، لا مِنَ الحُدودِ. حينَ يَنْزِلُ المَطَرُ، تُصابُ اللُّغَةُ بِالحُمّى. تَتَلَعْثَمُ الحُروفُ في أَفْواهِ الأَطْفالِ، وَتَنْكَمِشُ الكَلِماتُ خَلْفَ جُدْرانِ المَدارِسِ. وَلَكِنَّ الطِّينَ ـ وَحْدَهُ ـ يَظَلُّ فَصِيحاً. يُعِيدُ إِلَى الأَرْضِ نَحْوِيَّتَها الأُولى، وَيَفْتَحُ في المَدَى مَجازاتٍ لا تُفَسَّرُ، وَيَقولُ بِما لا يُقالُ”.
وعمران علي (دوست) “مواليد مدينة الدرباسية عام 1987 ” باحث وكاتب سوري يجمع بين التخصص الأكاديمي العميق والخبرة التطبيقية في مجالي الاتصالات والاقتصاد. حاصل على دكتوراه في هندسة تكنولوجيا المعلومات (تخصص الاتصالات المتقدمة) عام 2020، ودكتوراه في إدارة الأعمال (تخصص إدارة المخاطر والأزمات) عام 2022. له عدة إصدارات أدبية، منها روايات:
– حين تواطأت الرياح مع الخرائط.
– حين تتساقط التراتيل – داركسور.
– أبجدية ريخوين.
– كما نشر عدداً من الأبحاث والدراسات في مجالات الاتصالات المتقدمة والاقتصاد ودراسات الجدوى.
وله أعمال أدبية غير منشورة، تتنوع بين الرواية والشعر.
– سيكاستروسيات العزلة السرمدية/ مجموعة شعرية
– مقاماتُ الجغرافيا في كفِ أعمى النبوءة/ رواية.
– غير صالحة لوثائق السفر وخارج القطر/ رواية.