No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول ٢٠٢٤، بدا واضحاً أن السوريين يدخلون مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي استعادة المجال العام، وكسر عقود طويلة من الصمت والخوف والقمع. الشوارع التي كانت لعقود مجرد مساحات مراقبة بالكاميرات والأفرع الأمنية، تحولت فجأة إلى ساحات للنقاش والاحتجاج ورفع الأصوات، فيما عاد السوريون إلى ممارسة السياسة بشكل علني بعد أكثر من نصف قرن من الاحتكار السلطوي الكامل.
لكن هذه المساحة التي فُتحت بعد انهيار النظام، بدأت تضيق تدريجياً مع صعود الحكومة السورية المؤقتة، التي رفعت منذ البداية شعار “حماية الاستقرار ومنع الفوضى”، قبل أن يتحول هذا الشعار شيئاً فشيئاً إلى مبرر لإعادة إنتاج أدوات الضبط القديمة، وإن بصيغ قانونية وإدارية جديدة.
وفي هذا السياق، جاء البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية السورية في الثاني من أيار الجاري والمتعلق بتنظيم التظاهر والتجمعات السلمية، ليشكل نقطة تحول حساسة في العلاقة بين السلطة الجديدة والمجتمع السوري، ليس فقط بسبب مضمونه القانوني، بل بسبب الرسائل السياسية العميقة التي حملها، والتي أعادت إلى ذاكرة السوريين واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخهم الحديث، حين كان مجرد التفكير بتنظيم احتجاج أو رفع لافتة كافياً للزج بصاحبه في السجون.
البلاغ، الذي قدمته الحكومة باعتباره إجراءً تنظيمياً يهدف إلى “حماية الأمن والنظام العام”، فتح فور صدوره باباً واسعاً من الجدل والغضب، خصوصاً أنه أعاد عملياً فرض مبدأ “الترخيص المسبق” للتظاهر، وهو المبدأ ذاته الذي استخدمه النظام السابق لتحويل الحق الدستوري في الاحتجاج إلى امتياز تمنحه الأجهزة الأمنية لمن تشاء، وتمنعه عمن تشاء.
وبينما تحدثت وزارة الداخلية عن “تنظيم الحياة العامة”، رأى كثير من السوريين أن القرار لا يتعلق بالتنظيم بقدر ما يتعلق بإعادة السيطرة على الشارع، والتحكم بالصوت المعارض، ومنع تشكل أي حالة احتجاجية مستقلة قد تُحرج السلطة أو تكشف حجم الغضب الشعبي المتزايد تجاه سياساتها الاقتصادية والأمنية والسياسية.
فالقرار لم يأتِ في لحظة استقرار سياسي واجتماعي، بل في مرحلة تشهد فيها سوريا حالة احتقان متصاعدة، نتيجة الأزمات المعيشية والانقسامات السياسية والانتهاكات الأمنية المستمرة، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الشعبية للحكومة المؤقتة، خصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات اعتقال أو تضييق أو ممارسات أمنية مشابهة لما كان سائداً في عهد النظام السابق.
ولذلك، لم يُقرأ البلاغ بوصفه مجرد نص إداري، بل باعتباره مؤشراً على اتجاه سياسي جديد، عنوانه الأساسي إعادة ضبط المجال العام، ووضع حدود صارمة لما يمكن قوله أو الاحتجاج عليه، تحت شعارات “السلم الأهلي” و”منع الفوضى” و”حماية الاستقرار”.
من “حق دستوري” إلى امتياز أمني
في جوهره، يقوم الحق في التظاهر على فكرة أساسية وبسيطة: أن المواطنين يمتلكون الحق الطبيعي في التعبير الجماعي عن آرائهم ومطالبهم واعتراضاتهم، دون الحاجة إلى إذن مسبق من السلطة التي يحتجون ضدها أصلاً. لكن؛ البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية السورية قلب هذه المعادلة بالكامل، حين وضع التظاهر تحت سلطة الترخيص الإداري، وربط ممارسة هذا الحق بموافقة لجان حكومية، ما يعني عملياً أن السلطة التنفيذية أصبحت صاحبة القرار النهائي في تحديد من يحق له الاحتجاج، ومتى، وكيف، وبأي شعارات.
ووفق البلاغ، فإن أي مجموعة ترغب بتنظيم مظاهرة مطالبة أولاً بتشكيل لجنة من رئيس وعضوين، ثم تقديم طلب رسمي إلى المحافظة المعنية، يتضمن تفاصيل التظاهرة وشعاراتها وأهدافها، قبل أن يُحال الطلب إلى لجنة مختصة للبت فيه خلال خمسة أيام.
في الظاهر، يبدو الأمر وكأنه إجراء تنظيمي طبيعي، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الفلسفة التي يقف عليها هذا النظام بأكمله. فحين يتحول الحق بالتظاهر إلى ملف يُدرس داخل المكاتب الحكومية، فإن الاحتجاج يفقد معناه السياسي والأخلاقي، ويتحول إلى نشاط مراقب ومشروط وخاضع لإرادة السلطة نفسها.
الأخطر من ذلك، أن البلاغ منح الجهات الرسمية صلاحيات واسعة وفضفاضة جداً، تسمح عملياً بمنع أي احتجاج لا ينسجم مع التوجهات السياسية للحكومة، خصوصاً مع استخدام تعابير مطاطة مثل “الإخلال بالسلم الأهلي” أو “تعطيل المرافق العامة” أو “تهديد النظام العام”، وهي عبارات استخدمت تاريخياً في سوريا لتبرير قمع أي صوت معارض.
السوريون الذين عاشوا عقوداً تحت حكم الأجهزة الأمنية، يعرفون جيداً خطورة هذه اللغة، لأن الأنظمة السلطوية لا تبدأ عادة بمنع الاحتجاجات بشكل مباشر، بل تبدأ بتنظيمها، ثم تقييدها، ثم تجريمها، قبل أن يصبح النزول إلى الشارع فعلاً محفوفاً بالخوف والاعتقال.
ومن هنا تحديداً، جاء الغضب الشعبي الواسع تجاه البلاغ؛ لأن كثيرين رأوا فيه عودة تدريجية إلى منطق “الدولة الوصية”، التي ترى في المواطن مشروع تهديد دائم، وفي أي صوت معارض احتمالاً للفوضى والانفجار.
استعادة أدوات النظام السابق بواجهة جديدة
واحدة من أكثر النقاط التي أثارت حساسية السوريين، كانت التشابه الواضح بين البلاغ الجديد والمرسوم رقم ٥٤ الذي أصدره النظام السوري السابق في الحادي والعشرين من نيسان ٢٠١١، في ذروة الاحتجاجات الشعبية ضد حكم بشار الأسد.
حينها، قدم النظام المرسوم باعتباره خطوة إصلاحية تسمح بالتظاهر السلمي، لكنه استخدم عملياً كأداة لمنع أي احتجاج حقيقي، إذ كانت الأجهزة الأمنية ترفض معظم الطلبات، وتلاحق المنظمين، وتتعامل مع أي تجمع غير مرخص بوصفه “شغباً” أو “مؤامرة”. اليوم، يعيد البلاغ الجديد إنتاج المنطق ذاته تقريباً، مع اختلاف اللغة السياسية فقط. فالسلطة الحالية تتحدث عن “الإعلان الدستوري” و”حماية الحقوق”، لكنها في الوقت نفسه تمنح نفسها الحق الكامل في تقرير أي الاحتجاجات مقبول، وأيها مرفوض، وأي الشعارات مسموح بها، وأيها يتجاوز “السلم العام”.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: فالحكومة التي جاءت بعد سقوط نظام قمعي، يفترض بها أن تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لا أن تعيد تدوير أدوات السيطرة القديمة.
كثير من السوريين لم ينسوا بعد كيف كانت السلطات الأمنية في عهد الأسد تعتبر أي تجمع صغير تهديداً وجودياً للدولة، وكيف كانت الجامعات والأسواق والساحات العامة تخضع لرقابة أمنية خانقة، وكيف تحولت سوريا طوال عقود إلى بلد يخاف فيه الناس من الكلام بصوت مرتفع.
ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة فرض الرقابة على الفضاء العام تُقابل اليوم بحساسية شديدة، لأن السوريين لا يرون فيها مجرد “إجراءات تنظيمية”، بل بداية لمسار قد ينتهي بإعادة إنتاج الاستبداد نفسه، وإن بأسماء وشعارات جديدة. الأزمة الحقيقية هنا ليست فقط في النص القانوني، بل في غياب الثقة بالكامل بين الشارع والسلطة. فالحكومة الحالية لم تنجح حتى الآن في تقديم ضمانات حقيقية تحمي الحريات العامة، كما أن الانتهاكات الأمنية التي شهدتها عدة مناطق خلال الأشهر الماضية جعلت قطاعات واسعة من السوريين تنظر بعين الشك إلى أي توسع في صلاحيات الأجهزة الأمنية أو وزارة الداخلية. ومن هنا، فإن القرار بدا بالنسبة لكثيرين محاولة مبكرة لإعادة هندسة الحياة السياسية، عبر ضبط المعارضة والسيطرة على الاحتجاجات قبل أن تتحول إلى موجة غضب واسعة يصعب احتواؤها.
“السلم الأهلي” شعار للضبط السياسي
منذ بداية المرحلة الانتقالية، استخدمت السلطة السورية الجديدة تعبير “السلم الأهلي” بشكل متكرر في خطابها السياسي والإعلامي. في المبدأ، يبدو الشعار إيجابياً وضرورياً في بلد خرج من حرب طويلة وانقسامات عميقة. لكن؛ المشكلة تبدأ حين يتحول هذا المفهوم إلى أداة سياسية لتبرير تقييد الحريات وقمع الأصوات المعارضة.
بلاغ وزارة الداخلية حمل هذا المنطق بوضوح، إذ ربط حق التظاهر بمسألة الحفاظ على “السلم الأهلي”، واعتبر أن أي تجمع غير مرخص يمكن أن يتحول إلى حالة شغب تهدد الاستقرار. لكن؛ السؤال الذي يطرحه كثير من السوريين اليوم هو: من يحدد معنى “السلم الأهلي”؟ وهل يصبح انتقاد الحكومة أو الاحتجاج على الفساد أو المطالبة بالحقوق تهديداً لهذا السلم؟
في الأنظمة الديمقراطية، يُنظر إلى التظاهر باعتباره جزءاً أساسياً من الحياة السياسية، ووسيلة طبيعية للتعبير عن الغضب والاعتراض، أما في الأنظمة السلطوية، فيُنظر إليه غالباً باعتباره خطراً أمنياً يجب السيطرة عليه.
وما يثير القلق في الحالة السورية الحالية، أن خطاب السلطة الجديدة بدأ يقترب تدريجياً من النموذج الثاني، حيث يتم تصوير الاحتجاجات بوصفها تهديداً للاستقرار، لا تعبيراً مشروعاً عن الرأي العام. هذا التحول يحمل مخاطر كبيرة جداً، لأن قمع الاحتجاجات لا يلغي أسباب الغضب، بل يدفعها إلى التراكم والانفجار في لحظات أكثر خطورة. كما أن ربط التظاهر دائماً بمفاهيم “الفوضى” و”الشغب” و”الإخلال بالأمن”، يخلق بيئة سياسية تقوم على التخويف، وتجعل المواطنين يشعرون بأن أي تحرك احتجاجي قد يعرضهم للملاحقة أو الاتهام أو الاعتقال.
وفي بلد عاش تجربة أمنية مرعبة لعقود، فإن إعادة إنتاج هذا المناخ تعني عملياً قتل السياسة في المجال العام، وتحويل المواطنين مجدداً إلى أفراد خائفين يراقبون كلماتهم وحركاتهم.
السيطرة على المعارضة وإغلاق الشارع
خلف اللغة القانونية والإدارية التي استخدمها البلاغ، يرى كثير من المراقبين أن الهدف الحقيقي للقرار يتمثل في السيطرة على الشارع قبل تشكل معارضة شعبية منظمة ضد السلطة الحالية. فالاحتجاجات التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الأخيرة، سواء في دمشق أو الساحل أو الجنوب أو مناطق الشمال، أظهرت أن حالة الغضب الشعبي تتوسع تدريجياً، وأن قطاعات واسعة من السوريين بدأت تفقد الثقة بوعود المرحلة الانتقالية.
الأزمات الاقتصادية الخانقة، والانتهاكات الأمنية، وملفات الاعتقال، والتوترات المناطقية، كلها عوامل دفعت شرائح مختلفة للنزول إلى الشارع، أو التفكير بالاحتجاج. ومن هنا، يبدو أن السلطة تسعى إلى بناء إطار قانوني يسمح لها بالتحكم الكامل بهذه التحركات، عبر إخضاعها للرقابة المسبقة، وفرز الاحتجاجات “المسموح بها” من الاحتجاجات “غير المرغوب فيها”.
الأخطر في الأمر، أن البلاغ أعطى وزارة الداخلية حق مراجعة الشعارات والهتافات، وهو ما يعني عملياً منح الدولة سلطة التدخل المباشر في مضمون الخطاب السياسي داخل المظاهرات. وهذا تطور بالغ الخطورة، لأن وظيفة الدولة ليست تحديد ما يجب أن يقوله المحتجون، بل حماية حقهم في التعبير، حتى لو كان هذا التعبير حاداً أو مزعجاً للسلطة. حين تبدأ الحكومات بتحديد الشعارات المقبولة وغير المقبولة، فإنها لا تنظّم الاحتجاج، بل تفرض رقابة سياسية مباشرة على المجال العام. كذلك، فإن تصنيف أي تجمع غير مرخص باعتباره “شغباً” يفتح الباب أمام تجريم العمل السياسي السلمي، ويمنح الأجهزة الأمنية ذريعة قانونية لقمع أي تحرك مفاجئ أو عفوي.
وهذا تحديداً ما يخشاه السوريون اليوم: أن تتحول البلاد تدريجياً إلى نسخة معدلة من النظام القديم، حيث تُدار السياسة عبر الخوف والترخيص الأمني والرقابة المستمرة.
سوريا أمام اختبار الحرية الحقيقي
المشكلة الأساسية التي تواجه الحكومة السورية المؤقتة اليوم، ليست فقط في إدارة الأمن أو الاقتصاد أو العلاقات الخارجية، بل في الإجابة عن سؤال أعمق بكثير: هل تريد فعلاً بناء دولة مختلفة، أم مجرد إعادة إنتاج السلطة بأشكال جديدة؟
الحرية لا تُختبر عبر الخطابات الرسمية، بل عبر قدرة الأهالي على الاعتراض دون خوف. والديمقراطية لا تبدأ من صناديق الاقتراع فقط، بل من حماية حق الأهالي في النزول إلى الشارع، ورفع أصواتهم، وانتقاد السلطة علناً، دون أن يتحول ذلك إلى ملف أمني أو قضية قانونية.
السوريون الذين خرجوا قبل خمسة عشر عاماً مطالبين بالحرية، لم يفعلوا ذلك من أجل استبدال سلطة أمنية بأخرى، أو استبدال الخوف القديم بخوف جديد. ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة ضبط المجال العام عبر الترخيص والرقابة والملاحقة، ستُقرأ دائماً باعتبارها انقلاباً على جوهر التحول الذي حلم به السوريون. ربما تستطيع الحكومة اليوم فرض قيود على الشارع، وربما تتمكن من تقليل عدد المظاهرات أو السيطرة عليها مؤقتاً، لكن التاريخ السوري الحديث أثبت أن القمع لا يصنع استقراراً حقيقياً. فالاستقرار الذي يقوم على الخوف هش بطبيعته، وقابل للانفجار في أي لحظة. أما الاستقرار الحقيقي، فيبنى على الثقة، وعلى وجود دولة تحترم مواطنيها، وتسمح لهم بالتعبير والاحتجاج والمحاسبة، دون أن تنظر إليهم بوصفهم تهديداً دائماً.
No Result
View All Result