لم يكن الشرق الأوسط يوماً بعيداً عن صراعات الإقليم. لكنه؛ في كثير من الأحيان نجح في إدارة علاقته مع الأزمات الدولية من موقع المراقب الحذر أكثر من كونه طرفاً مباشراً فيها لأن المصالح الدولية تفرض نفسها على المنطقة وتتقاطع جميعها في هذه الجغرافية الملتهبة فمنذ نهاية حرب الخليج الثانية مروراً بالحرب على العراق وما تلاها من تحولاتٍ كبرى في المنطقة، عملت دول الشرق الأوسط على محاولة بناء نموذج مختلف يقوم على الاستقرار السياسي مع الحرص على تجنب الانخراط في الحروب والصراعات التي استنزفت دولاً عديدة في العالم. لكن؛ لم يتسنَ لبعض هذه الدول أن تنأى بنفسها ووجدت نفسها منخرطة في هذه الحرب.
التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهةٍ أخرى، وضعت الشرق الأوسط أمام اختبار غير مسبوق فالحرب التي بدأت في سياق صراع أوسع على النفوذ والأمن الإقليمي لم تبقَ محصورة بين أطرافها المباشرين، بل امتدت تداعياتها إلى مجمل دول المنطقة، لتجعلها جزءاً من المشهد الأمني والعسكري الذي يتشكل اليوم فمع اتساع دائرة التوتر وتزايد المخاوف من تحول المواجهة إلى حرب إقليمية طويلة الأمد، وجدت هذه الدول نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة تقييم الكثير من الحسابات التي حكمت سياساتها الخارجية والأمنية خلال السنوات الماضية.
تداعيات خطيرة ودول الخليج في عين العاصفة
في قلب الأزمة الحالية تقف معادلة معقدة تجمع بين إيران وإسرائيل ودول الخليج فمن جهة ترى بعض العواصم الخليجية أن سياسات إيران الإقليمية وبرامجها العسكرية تمثل مصدر قلق مستمر لأمن المنطقة ومن جهة أخرى تنظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي إلى إسرائيل باعتبارها طرفاً يسعى إلى تكريس تفوقه العسكري والسياسي في الشرق الأوسط مستفيداً من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة وبين هذين الطرفين تحاول دول الخليج المحافظة على مساحةٍ للمناورة السياسية تمنعها من الانجرار إلى صراعٍ مفتوح لا يخدم مصالحها الاستراتيجية. فعلى امتداد العقدين الماضيين وفي خضم التطورات الدراماتيكية التي يمر بها الشرق الأوسط؛ تبنت معظم دول الخليج سياسة تقوم على تخفيف التوترات الإقليمية والبحث عن حلول دبلوماسية للأزمات وقد تجسد هذا التوجه في سلسلة من المبادرات والوساطات والاتصالات السياسية التي هدفت إلى منع انفجار المنطقة في مواجهاتٍ عسكرية واسعة.
وكانت دول الخليج تدرك أن أي حرب جديدة في الشرق الأوسط لن تكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل ستنعكس بصورةٍ مباشرة على أمنها واقتصادها واستقرارها الاجتماعي. ولذلك؛ سعت إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية بما في ذلك إيران رغم الخلافات السياسية والأمنية العميقة التي ظلت قائمة بين الجانبين. لكن؛ التطورات الأخيرة كشفت أن سياسة الابتعاد عن الصراعات لا تكفي دائماً لحماية الدول من تداعياتها فمع تحول الخليج إلى مركز حيوي للقواعد العسكرية الدولية وعلى رأسها الأمريكية الى جانب شبكات الطاقة والتجارة العالمية، أصبحت المنطقة جزءاً من الحسابات الاستراتيجية لأي مواجهة كبرى تدور في الشرق الأوسط.
ومن هنا بدأ الحديث عن مرحلة جديدة لم تعد فيها دول الخليج مجرد متأثرة بالحرب، بل طرفاً يتحمل جانباً من نتائجها السياسية والأمنية والاقتصادية حتى دون أن يشارك فيها بشكلٍ مباشر، وهذا ما تم توثيقه خلال الحرب المباشرة التي دارت رحاها بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى وما شهدته دول الخليج من ارتداداتٍ مباشرة لهذه الحرب العسكرية.
فأحد أبرز التحولات التي أفرزتها الأزمة الحالية يتمثل في طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الخليج ففي العقود السابقة كانت الحروب التقليدية تدور على خطوط جبهات واضحة، ويمكن التمييز فيها بين مناطق القتال ومناطق الأمان أما اليوم فقد تغيرت قواعد الاشتباك بصورةٍ كبيرة. فالصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية أصبحت أدوات رئيسية في النزاعات الحديثة كما أن البنية التحتية الاقتصادية والطاقة والموانئ والمطارات باتت أهدافاً محتملة في أي مواجهة عسكرية واسعة ناهيك عن مضيق هرمز الذي شكّل أبرز أدوات الصراع في هذه الحرب.
هذا الواقع جعل ليس فقط دول الخليج إنما دول المنطقة برمتها أمام انعكاسات ترتبط أكثر من أي وقت مضى بالتطورات الإقليمية المحيطة فالهجوم على منشأة نفطية أو ميناء تجاري أو مطار مدني لا يؤثر فقط على الدولة المستهدفة بل يمتد تأثيره إلى حركة التجارة الدولية والإقليمية وأسواق الطاقة والاستثمارات العالمية.
ولذلك؛ تنظر دول الخليج إلى التصعيد الحالي باعتباره تحدياً يتجاوز البعد العسكري المباشر ليشمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى خصوصاً بعد ان باتت أكثر الدول تضرراً من هذه الحرب الدائرة لكن لا يمكن حصر الارتدادات التي خلفتها الحرب بالعسكرية فقط إنما الاقتصاد هو الأخر كان في مرمى ارتدادات هذه الحرب.
الاقتصاد في عين العاصفة
إذا كان الأمن يمثل الهاجس الأول لدول العالم في ظل التصعيد الراهن، فإن الاقتصاد يأتي في المرتبة الثانية مباشرة، فلم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة منتجة للنفط والغاز، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والخدمات المالية والنقل الجوي والتكنولوجيا وقد استثمرت حكومات عديدة مئات المليارات من الدولارات في مشاريع تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية. لكن؛ هذه الإنجازات تبقى مرتبطة إلى حدٍ كبير بوجود بيئة مستقرة وآمنة فالمستثمرون والأسواق العالمية يتعاملون بحساسية شديدة مع المخاطر الجيوسياسية، وأي تصعيد طويل الأمد قد ينعكس على حركة الاستثمارات والتجارة والسياحة كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والنقل نتيجة التوترات الأمنية يمكن أن يضيف أعباء اقتصادية جديدة على المنطقة، ويؤثر على قدرتها التنافسية في بعض القطاعات الحيوية.
ولهذا السبب، لا تنظر دول الشرق الأوسط إلى الحرب الحالية باعتبارها أزمة أمنية فقط، بل باعتبارها اختباراً لقدرتها على حماية بيئتها الأمنة اقتصادياً وهو ما عملت على بنائه خلال العقود الماضية لتكون بوصلة الاستثمار العالمي الى جانب ان هذه الدول كسوريا ولبنان والعراق ودول الخليج هي عقدة الخطوط التجارية الدولية والتي تؤثر على الاقتصاد الدولي بشكلٍ مباشر وهو ما جعلها عرضة للهيمنة على مر التاريخ.
هذه الأهمية الاستثنائية للشرق الأوسط بسبب الموقع الجغرافي الذي يربط بين أهم الممرات البحرية في العالم شكل لعنة استراتيجية حقيقية فمضيق هرمز وحده يشكل واحداً من أهم شرايين نقل الطاقة الدولية، بينما يمثل باب المندب وقناة السويس جزءاً أساسياً من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. ومع تصاعد التوترات تتزايد المخاوف من تعرض هذه الممرات لمخاطر مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال الهجمات العسكرية أو التهديدات الأمنية أو ارتفاع تكاليف التأمين البحري ولا تقتصر أهمية هذه الممرات على الدول المطلة عليها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله ولذلك فإن أي اضطراب فيها ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز وحركة النقل البحري وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن هذا المنطلق، أصبح استقرار الشرق الأوسط قضية دولية بقدر ما هو قضية إقليمية لكن أطماع الهيمنة قائمة وهي السبب المباشر أمام حالة عدم الاستقرار المفروضة اليوم فخلال السنوات الماضية نجحت بعض العواصم الشرق أوسطية في لعب أدوار وساطة بين أطراف متنازعة في المنطقة، وسعت إلى بناء قنوات اتصال تسمح بإدارة الأزمات ومنع انفجارها.
واليوم تبدو هذه القنوات أكثر أهمية من أي وقت مضى فمع تعقيد المشهد العسكري وارتفاع كلفة الحرب على جميع الأطراف، تزداد الحاجة إلى جهود سياسية قادرة على فتح نافذة للحوار واحتواء التصعيد وتدرك دول المنطقة أن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة دون مشاركة القوى الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك إيران كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يخلق تداعيات يصعب التحكم بها لاحقاً.
حتى الآن تفضل دول الشرق الأوسط سياسة تقوم على ضبط النفس وتجنب الانخراط المباشر في الحرب ويستند هذا الخيار إلى قناعة بأن توسيع دائرة المواجهة قد يؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها غير أن استمرار الهجمات أو اتساع نطاقها قد يفرض معادلات جديدة فالدول التي تتعرض لتهديدات مباشرة تجد نفسها في نهاية المطاف أمام مسؤولية حماية أمنها ومواطنيها ومصالحها الحيوية.
ومن هنا يدور نقاش متزايد حول حدود الدفاع السلبي وإمكانية الانتقال إلى خيارات أكثر نشاطاً إذا تطلبت الظروف ذلك لكن معظم التقديرات تشير إلى أن دول الشرق الأوسط ستواصل الموازنة بين متطلبات الردع العسكري وضرورات تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
مستقبل ضبابي ينتظر المنطقة
بعيداً عن تفاصيل المعارك والعمليات العسكرية، يطرح التصعيد الحالي سؤالاً أكبر يتعلق بشكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة؛ فالحرب لا تعيد رسم الخرائط السياسية فقط، بل تعيد تشكيل التحالفات وموازين القوى والأولويات الاقتصادية والأمنية وقد أثبتت تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أن تداعيات الحروب تستمر لفترة أطول بكثير من الحروب نفسها.
ولهذا تبدو دول المنطقة اليوم منشغلة بما بعد الحرب بقدر انشغالها بالحرب ذاتها فهي تدرك أن الحفاظ على الاستقرار سيكون التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة، سواء انتهت المواجهة بتسوية سياسية أو باستمرار حالة التوتر بين الأطراف المتصارعة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد يبقى الهدف الأساسي للعواصم الشرق أوسطية هو حماية مكتسباتها التنموية وتجنب تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح يستنزف مواردها ويهدد مستقبل أجيالها فبين نيران المواجهة الإقليمية ومتطلبات التنمية والاستقرار، يقف الشرق الأوسط اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث، لحظة قد تسهم نتائجها في رسم ملامح المنطقة لعقود قادمة. فالمنطقة تمر بواحدةٍ من أعقد وأخطر المراحل الجيوسياسية في تاريخها الحديث حيث تشتبك الخيوط وتتداخل الجبهات من غزة ولبنان مروراً بالعراق وسوريا ودول الخليج وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن ورغم جولات الدبلوماسية المتقطعة والهدن الهشة يبدو المشهد الإقليمي معلقاً بين رغبة الأطراف في إنهاء الحرب الشاملة وبين غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات جوهرية تصنع سلاماً مستداماً.
وعلى الرغم من إدراك واشنطن وطهران أن التفاوض يبقى أقل كلفة من المواجهة العسكرية؛ فإن كل جولة حوار تصطدم بخلافات جوهرية حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية والدور الإقليمي لإيران والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي وقد أظهرت التجارب أن التوصل إلى تفاهمٍ أولي لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاقٍ نهائي لأن كل طرف يسعى إلى حماية مصالحه الأساسية وتجنب تقديم تنازلات قد تُفسَّر داخلياً على أنها تراجع أو ضعف.
وتتمسك الولايات المتحدة بأن أي اتفاق يجب أن يضمن عدم امتلاك إيران قدرة عسكرية نووية مع فرض رقابة صارمة على أنشطة التخصيب والمواد النووية الحساسة بينما تشترط إيران رفع العقوبات الاقتصادية بصورةٍ ملموسة والحصول على ضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي وبين هذه الشروط المتبادلة تبقى المفاوضات رهينة فجوة واسعة في التصورات والمصالح ما يجعل مسارها طويلًا ومتعرجاً رغم استمرار الحاجة المتبادلة إلى الحل الدبلوماسي الذي يعول عليه في الوصول إلى نتائج إيجابية تنهي حالة الصدام العسكري.
ومع كل ذلك لا زالت الأصوات تتعلى والآمال تتنامى بقرب انتهاء حرب إيران وما تسببت فيه من أزمة اقتصادية خانقة عقب إعلان باكستان أن إيران والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق لإنهاء الحرب بينهما سيُوقع في جنيف وجاء الإعلان بعد ثلاثة أشهر ونصف على اندلاع الحرب التي امتدت إلى دول عدة في الشرق الأوسط.