No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
عرف الشعر بكل اللغات والثقافات منذ أن أبصر النور أشكالاً عديدة اكتسبها بالتطور الذي أنتجته عصور الشعر المتتابعة، فبقدر ما كانت تتطور الزراعة والتجارة والحضارة كان الشعر يتطور كحالة إبداعية وعلمية في آن واحد لا تخلو من تحديات كانت تستهدف هويته ووجوده اللذين ظلا ثابتين ثبات الطبيعة وحواسها ومكوناتها، وكما عرف الشعر العربي القصيدة الكلاسيكية وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، ولد شكل جديد عرف فيما بعد بشعر الهايكو.
أصل شعر الهايكو
يُعد الهايكو شكلاً شِعرياً تقليدياً نشأ في اليابان، ازدهر في القرن السّابع عشر، يعتمد على المقطعية والأسطر القصيرة ينوب عن طولها التكثيف الشعوري والصورة الخلّابة، كما يتناول بمجمله الطبيعة بدواخل سحرها، وحسن منطقها، يتكّون من بيت واحد مقسّم على ثلاثة أسطر، ويركّز على التقاط لحظة زمنية مكثّفة من الطبيعة، مستخدماً لغة بسيطة وعميقة، وأصل كلمة هايكو اليابانية هي دمج لمقطعين، وتشير في أصلها إلى العبارة الممتعة أو النكتة الشعرية، وتُفسّر أحياناً بـ “طفل الرماد” كما نشأ الهايكو كجزء من أشكال شعرية أطول مثل “الرينغا”، وكان يُسمّى سابقاً “هايكاي”، ويتضمّن كلمة تشير إلى أحد فصول السنة مما يجعله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة، ويعتمد على التكثيف الشعوري والمشهدية ضمن سطور قليلة.

شعر الهايكو في سوريا
شهد شعر الهايكو في سوريا تطوّراً ملحوظاً كفن شعري قائم على التكثيف واللحظة الآنية، وكشكل من أشكال الومضة الشعرية يركز على الطبيعة والمشاعر الإنسانية العميقة بإيجاز شديد، برزت تجارب سورية حديثة تدمج بين خصوصية الهايكو الياباني وقصيدة النثر، ولعل أبرز شعراء هذا الشكل الشعري المستحدث “دارين زكريا، وميسون عرفة، وخالد خشارفة”، حيث تميّز شعرهم بتصوير التفاصيل الدقيقة وذلك من خلال التأمل العميق والتصوير المباشر والتكثيف وتحويل كل ذلك إلى لوحات فنية عبر المشاهد اليومية المتعلقة بالحرب على سبيل المثال لتكون توثيقاً ثقافياً وتاريخياً، كما تبرز فروقات واضحة بين الهايكو السوري والهايكو الياباني عبر الميل إلى قصيدة النثر أكثر منها إلى المقطعية اليابانية، ومن النماذج المشرقة لهذا الشكل الشعري نتاج الشاعرة السورية ميسون عرفة حين تقول:
“بيوت دمشق القديمة
عطر النّارنج
يصلُ الفراغ بالفراغ”
“على حافّة الطّريق
النرجسة التي تُذكرني بك
تغيّر لونها”
“الرّيح
كلُ هذا الجدال
مع شبّاكٍ مفتوح”
سطور قصيرة تحمل أفكاراً متكاملة وشعوراً مكثّفاً كوّنت نصّاً شعرياً له جمهور عريض ضمن محبّي الشعر، وإن كان يندرج ضمن إطار النثر عند الجمهور الآخر والذي يعتبر ميداناً آخر للأدب ينفصل تماماً عن الشعر الذي يخضع لضوابط لا يمكن تجاوزها، ولكن يذهب أغلب كتّاب هذا الشكل الأدبي إلى عنصر الدهشة والعمق التأملي أكثر منه إلى الإيقاع العروضي القائم على وحدة الموضوع والقافية ضمن نص موزون قائم على نظام الشطرين أو ذاك القائم على نظام التفعيلة الحديث وإن كان موجوداً لدى مؤسسي هذا الشكل الشعري، ولاسيما في شعر الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة عام 1964 م، ويرى جمهور آخر أن شعر الهايكو يعتبر استجابة حيوية لواقع التطوير الذي يواكب جميع مناحي الحياة، ويصرف القرّاء عن قراءة الدواوين الطويلة بالشكل التقليدي للقصيدة إلى النصوص الأكثر تأثيراً بالنفس وأسرع حضوراً بالذاكرة التي لم تعد تتسع للنصوص الطويلة مع كثرتها وانتشارها الواسع عبر وسائل التواصل الافتراضي التي أصبحت منبراً متاحاً في كل مكان وزمان.
تجارب لم تؤسس مدرسة شعرية
وعلى الرغم من إنجاز العديد من قصائد وكتب “الهايكو” ظل الانتشار والازدهار في سوريا من نصيب الشعر الحديث نثراً وتفعيلة، أي كما الحال في مصر والعراق ولبنان بحسب النقاد، ومن الشعراء والشاعرات من شارك زملاء له في كتاب مشترك، أو كتاب منفرد كالسورية إيناس أصفري، في “هايكو” يتعاطف مع معاناة الآخر:
“أصابعه
ترى وجه حبيبته
الكفيف”
والشاعر خالد خشارفة حين يقول:
“أول الخريف
يبعثر الأوراق
جرس المدرسة”
ورغم النماذج التي توقفنا عندها لشعر الهايكو في سوريا، إلا إنه ظل تجربة وليدة لم تؤسس لأدب متكامل برواده وكتّابه؛ ما جعل انتشاره محدوداً أمام القصيدة التقليدية وقصيدة النثر الطويلة على ما أحدثت الأخيرة من جدل واسع بين النقاد بخصوص نسبها الأدبي.
No Result
View All Result