No Result
View All Result
ناصر ناصرو
لا يبدو الحديث عن المسألة الكردية في سوريا حديثًا عن ملف سياسي يمكن فصله عن سياقه التاريخي، بل هو أقرب إلى طبقة عميقة من بنية الدولة نفسها، تلك الطبقة التي تشكّلت عبر عقود من إعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وبين الهوية والسلطة، وبين ما يُعتبر “وحدة” وما يُفهم كـ”تنوع”. 
في هذا السياق، لا يظهر اسم محمد طلب هلال كفردٍ ضمن جهاز إداري فقط، بل كعلامةٍ على لحظةٍ كانت فيها الدولة تميل إلى فهم الجغرافيا بوصفها مساحة قابلة لإعادة التشكيل، لا بوصفها نسيجًا اجتماعيًا متراكمًا. في تلك المرحلة، لم يكن السؤال يدور حول التعدد بقدر ما كان يدور حول كيفية ضبطه، ولا حول الاعتراف بالاختلاف بقدر ما كان يدور حول إعادة ترتيب وجوده داخل حدود الدولة.
هذا النمط من التفكير لم يكن استثناءً، بل كان جزءًا من منطق أوسع حكم علاقة الدولة السورية بمحيطها الداخلي في مراحل مختلفة. منطق يرى أن الاستقرار لا يُبنى عبر إدارة التعدد، بل عبر تقليص أثره السياسي، أو على الأقل إعادة توجيهه ضمن إطار مركز واحد يحتكر تعريف الدولة ومعنى وحدتها.
غير إن التحولات اللاحقة، خاصةً في العقود الأخيرة وما تلا عام 2011، أعادت فتح هذا الملف من زاوية مختلفة تمامًا. لم تعد الدولة تواجه مجرد “مسألة” يمكن إدارتها بالوسائل التقليدية، بل واقعًا جديدًا تشكّل على الأرض، أعاد توزيع السلطة، وأنتج أشكالًا من الإدارة المحلية، والهياكل العسكرية، والعلاقات السياسية التي لم تكن موجودة بهذا الوضوح سابقًا.
في هذا المشهد، يظهر أحمد الهلالي ضمن خطاب سياسي مختلف في لغته، يتحدث عن الدمج، وإعادة توحيد المؤسسات، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقوى المحلية في روج آفا، هذا الخطاب لا يستخدم مفردات الإقصاء المباشر، بل يعتمد لغة أكثر نعومة، تقوم على فكرة استعادة الوحدة السياسية والمؤسساتية ضمن إطار الدولة.
لكن ما يبدو تغييرًا في اللغة لا يعني بالضرورة تغييرًا في المنطق العميق الذي يحكم هذه اللغة، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بما يُقال، بل بالإطار الذي يجعل هذا القول ممكنًا، وبالتصور الكامن لمعنى الدولة نفسها، وحدود المركز، وحدود الهامش، وما إذا كانت هذه الحدود قابلة لإعادة التفاوض فعلًا أم أنها تُعاد صياغتها فقط بأشكال مختلفة.
بين المرحلتين، لا يظهر انقطاع كامل، كما لا يمكن الادعاء بوجود استمرارية خطية بسيطة. ما يظهر أقرب إلى حالة من التحول المتداخل، حيث تتغير الأدوات، وتتبدل الخطابات، لكن تبقى بعض الأسئلة الأساسية معلقة: كيف تُدار العلاقة مع الشعوب التي طورت خلال سنوات الحرب أشكالًا من التنظيم الذاتي؟ وكيف يمكن إعادة بناء الدولة دون إعادة إنتاج مركزيتها التقليدية بصيغة جديدة؟
في هذا المعنى، لا يصبح النقاش حول الأفراد بقدر ما يصبح حول البنية التي تنتج هذه الأفراد وخطاباتهم في لحظاتٍ مختلفة من تاريخ الدولة. فالمسألة الكردية، كما تظهر في هذا السياق، ليست ملفًا منفصلًا، بل مرآة لطريقة فهم الدولة لنفسها، وحدود قدرتها على التكيف مع واقع لم يعد قابلًا للقراءة بالأدوات القديمة وحدها.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا أكثر مما هو مُجاب عنه: هل نحن أمام تحوّل فعلي في الذهنية السياسية التي حكمت هذا الملف لعقودٍ، أم أمام إعادة إنتاج لها ضمن شروط جديدة فرضتها التحولات العميقة في بنية الدولة والمجتمع معًا؟
No Result
View All Result