No Result
View All Result
حمزة حرب
تولت الحكومة المؤقتة شؤون البلاد بعد سقوط النظام السابق وما إن اعتلت سدة الحكم لتبدأ الوعود تنهال على السوريين بالتحسن الاقتصادي وإعادة الإعمار وإنعاش الخدمات إلا إن الواقع يثبت أن البلاد ما زالت تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات الحياة اليومية البسيطة، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستوياتٍ غير مسبوقة، وإن نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وحوالي سبعة من كل عشرة سوريين مازالوا بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة الإنسانية بينما مسؤولي الحكومة السورية المؤقتة يتسابقون على اقتناء السيارات الفارهة ويتزاحمون على فرض الرسوم الباهظة والواقع الاقتصادي يزداد سوءاً وراء سوء.
جُل ما تحقق هو تحسّن نسبي يكاد لا يُذكر في سعر صرف الليرة مقابل الدولار وزيادة الرواتب الحكومية وإزالة صفرين من العملة السورية لكن لا زال اقتصاديون يتحدثون عن التضخم الكبير وحالة الفساد التي بدأت تطفو على السطح في قطاعات حيوية من مؤسسات الدولة السورية ومازالت تكاليف المعيشة تُثقل كاهل معظم السوريين، وما زال راتب الحكومة لا يوفر أبسط متطلبات المعيشة، ويُبقي القدرة الشرائية في حدودها الدُنيا فالحكومة المؤقتة اتبعت منذ البداية سياسة تخفيض الدعم عن معظم المواد الأساسية، التي تُشكّل عصب الحياة، حيث ارتفع سعر ربطة الخبز عشرة أضعاف، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من دولارين إلى 11،5 دولار وبلغ سعر ليتر المازوت 0،95 دولار وهو ما لا قدرة للسوريين عليه.
أعباء أثقلت كاهل السوريين
السوريون وقعوا منذ سقوط النظام السوري السابق تحت مظلة الوعود بالانتعاش الاقتصادي. لكن؛ ورغم توفر كل الموارد الوطنية من نفط وغاز ومعابر حدودية وغيرها إلا أن الأسعار الجديدة فاقمت من معاناة الكثير من الأهالي، خاصةً الفقراء والمُعدمين، كونها لا تتناسب أبداً مع متوسط حجم الدخل الشهري للموظف الحكومي أو حتى موظف القطاع الخاص. فالعائلة المكونة من خمسة أفراد، والتي تستهلك وسطياً نحو ربطتين ونصف من الخبز يومياً، باتت تحتاج إلى 300 ألف ليرة شهرياً إأي ثلث راتب الموظف الحكومي لتؤمّن حاجتها من الخبز وقياساً على ذلك يتبين أن الموظف الحكومي لا زال يعاني منذ عهد النظام السابق وإلى عهد الحكومة المؤقتة الحالية.
ناهيك عن رفع جنوني لأسعار الكهرباء بنحو ستين ضعفاً، فبعد أن كان سعر الكيلوواط المنزلي 10 ليرات، ارتفع إلى 600 ليرة، ضمن الشريحة الأولى وإذا زاد الاستهلاك عن 300 كيلوواط، فستُحدد التكلفة ضمن الشريحة الثانية، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط؛ فهذا التصرف الذي بررته السلطة في دمشق على أنه إجراءً ضروري لجذب الشركات المُستثمرة لكي تعمل وتستثمر في قطاع الكهرباء أعدم القدرة على الاستهلاك لدى شرائح واسعة من السوريين، فالسوريون صُدموا من الأرقام الكبيرة للفواتير، التي تجاوز بعضها المليونين ليرة، وهو ما شكّل موجات غضبٍ واستياء واعتراضٍ على القرار، وخرجت أصواتاً كثيرةً ترفض تسديد الفواتير المُجحفة، وقد نُظّمت مجموعة وقفات احتجاجية في دمشق ومحافظاتٍ أخرى، احتجاجاً على القرار وعلى حجم الفواتير التي ستزيد معاناة الأهالي، بل ستلتهم النصيب الأكبر من مداخيلهم المتواضعة، التي بالكاد تكفيهم لأيامٍ معدودة، فبالنظر إلى التسعيرة الجديدة للكهرباء، سيكون المعدل الوسطي لفاتورة الاستهلاك المنزلي، نحو مليون و200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق الدخل الشهري للموظف الحكومي.
وعلينا ألا نتغافل عن إجراء التسريح القسري لأكثر من 300 ألف موظف فعلى سبيل المثال، تم فصل 15% من كوادر وزارة النقل، والرقم ذاته من كوادر وزارتي الصناعة والصحة، ناهيك عن موظفي وزارة الداخلية والدفاع ومختلف مؤسسات الدولة ومعاملتهم على أنهم من بقايا النظام السابق. وإلى جانب قرارات الفصل، مازال مصير عشرات الآلاف من الموظفين مجهولاً حتى اليوم، وخاصةً عناصر الشرطة والجيش وموظفي وزارتي الدفاع والداخلية، والأطباء العاملين في المشافي العسكرية والمتقاعدين العسكريين فهم لا يتقاضون رواتبهم منذ عدة أشهر ولا يعلمون كيف سيكون مصيرهم في قادم الأيام. هذه الإجراءات والقرارات فاقمت من حجم الفقر والمعاناة التي يعيشها معظم الأهالي، وألحقت أذىً كبيراً بآلاف العائلات التي باتت محرومة من أي مصدرٍ للدخل، وزادت من معدلات البطالة، التي ينبغي على الدولة أن تُساهم في تخفيضها، سيما أنها تفاقمت أصلاً بعد سقوط نظام الأسد. فالدولة لا زالت تتوجه نحو خصخصة القطاع العام وهو ما دفع عشرات المعامل والمنشآت الصناعية التابعة للدولة للتوقف عن العمل، بغرض التوجه نحو خصخصتها أو إعادة هيكلتها من جديد وهذا سيضاعف الأعباء ويزيد المعاناة ويفتح الباب واسعاً أمام الفساد المستشري لدى المسؤولين في هذه الحكومة.
الفساد من منطلق الدولة الريعية
الفساد داخل صفوف وهياكل الحكومة المؤقتة لم يعد خافياً على أحد فرغم الواقع المرير الذي يمر به السوريون الذين لم يعد لديهم أي قدرة على تأمين قوت يومهم طفت على السطح علامات البذخ والرفاهية التي ظهرت على مسؤولي الحكومة الحالية والذين يركبون سيارات فارهة غالية الثمن. فالفساد لا يزال موجوداً في سوريا في حقبة ما بعد الأسد بما في ذلك دفع الرشاوى للخروج من السجن أو استعادة المنازل والمركبات وغيرها من الممتلكات المصادرة أو الإعفاء من الضرائب الحكومية التي باتت بأرقامٍ مهوّلة وهو ما وثّقته مصادر إن أحد رجال الصناعة واثنين من كبار مديري المصانع، أُجبروا على دفع أموال لوسطاء لديهم علاقات جيدة مع مسؤولي الحكومة المؤقتة للحفاظ على استمرار أعمالهم أو إطلاق سراح عاملين معتقلين.
وسائل إعلام وثّقت بعض الحالات، حيث تم دفع 100 ألف دولار لإطلاق سراح أحد العمال، ليُبلّغ لاحقاً بأنه عليه دفع 100 ألف دولار أخرى إذا أراد السماح له باستئناف العمل بينما دفع آخر 25 ألف دولار لإطلاق سراح موظف، وهي حالات تكررت في الآونة الأخيرة بينما السوريين يسعون لتأمين أبسط مقومات الحياة أو الحفاظ على حياتهم أصلاً.
خبراء يشرحون ظاهرة الفساد بالتأكيد على أنه في علم الاقتصاد السياسي لا يُنظر إلى الفساد على أنه انحراف أخلاقي أو سلوك شخصي، بل يُعدُّ بنية وظيفية في نوع محدد من أنظمة الحكم الهشّة التي تتركز في غالبيتها الساحقة في الدول النامية فموضوع الفساد من خلال فكرة الدولة الريعيّة، أي الدولة التي تُعيد توزيع الريوع على شبكات الموالين للحاكم.
ومن بين أبرز من تناولوا هذا الموضوع هناك حازم الببلاوي وجيانفرانكو لوتشياني في نظرية الدولة الريعية، ومشتاق خان في دراساته عن “الفساد الوظيفي” ودوغلاس نورث في تنظيره لمفهوم “نظام الوصول المحدود”، حيث اعتبر هؤلاء أن الفساد يمكن أن يتحول إلى آلية حكم لا إلى مجرد خلل فيها، ففي الدول التي تعجز عن تحصيل الإيرادات أو بناء مؤسسات مستقرة، يُصبح الريع السياسي هو العملة الحقيقية التي تُشتَرى بها الولاءات، ويتحول الفساد إلى وسيلة لضبط التوازنات بين القوى المتنافسة ففي مثل هذه السياقات، لا يُكافَح الفسادُ إلا في الخطاب، بينما في الممارسة يُعاد تنظيمه ليُصبح أكثر فاعلية في خدمة السلطة وهو ما يبرهن واقع الحال اليوم في سوريا.
فمنذ تشكل السلطة السياسية الجديدة حاولت أن تقدم نفسها كبديلٍ مدني يسعى إلى تأسيس دولة جديدة قادرة على تجاوز الفوضى والانقسام غير أن هذا التحول من سلطة فصائلية إلى سلطة مدنية شكليّة لم يغيّر البنية التي تستند إليها السلطة في جوهرها. فبين مرحلة الحكم التي استندت إلى الخطاب العقائدي ومرحلة الخطاب المدني، لم يتبدل سوى القاموس، بينما ظلَّ الاقتصاد السياسي نفسه وهو القائم على اقتصاد الحرب، والريع، والفساد بوصفه لغة الحكم الوحيدة الممكنة، ومنذ استلام السلطة الجديدة للحكم في دمشق بدأ يتداول مصطلح “إدلبنة الاقتصاد”، وهو مصطلح يُعبّر عن كيفية إعادة هندسة الفساد وتدويره في مرحلة ما بعد النزاع لا القضاء عليه، حيث تسعى النخبة الحاكمة الجديدة إلى إظهار قطيعة رمزية مع المرحلة السابقة تترافق مع خطاب معادٍ للفساد، لكن الواقع يضعها في مفارقة لا يمكن الخروج منها بسهولة، فالنظام الذي يرفع شعار مكافحة الفساد يعيش عملياً على الاقتصاد الموازي القائم على الولاءات والمنافع، وبالتالي صار الفساد شرطاً ضرورياً لبقائه لا خللاً يمكن إصلاحه وهو ما بات واضحاً من خلال حالة البذخ المعاشة في أوساط الحكومة.
آمال السوريين معلّقة
ورغم كل ما يعانيه السوريون يبقى الاقتصاد أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد، حيث تتباين الآراء حول ما تحقق مقارنةً فيما قُطع من وعود وعهود بعد سقوط الأسد وإلى رهاننا فرغم الدعوات والتحركات الشعبية المبذولة لتحسين الوضع، لا يزال الاقتصاد السوري في مرحلة صعبة تتطلب الكثير من الإصلاحات البنيوية لتحقيق استقرار حقيقي. لكن؛ الاستقرار لا يمكن أن يكون ما لم تتمتع سوريا بحرية لازمة وحياة تشريعية قوية ونظام مؤسسات عادل يتم من خلاله فصل السلطات واتباع نموذج لامركزي لإدارة شؤون البلاد والتخلص من الإرث والموروث الثقافي في الاستيلاء على السلطة وترسيخ دعائمها بأسس الفساد المستشري.
فما يزيد من مخاوف السوريين الطامحين إلى بناء دولتهم تلك الشبكات التي تتغلغل في العقد اللمفاوية لمنظومة الحكم السائدة في البلاد وهو ما أشارت إليه وكالة “رويترز” في تقرير استقصائي تحت عنوان “سوريا تُعيد تشكيل اقتصادها سراً، وشقيق الرئيس هو المسؤول” هذا التقرير سلط الضوء على لجنة اقتصادية سريّة يرأسها حازم الشرع، شقيق رئيس الحكومة السورية المؤقتة؛ هذه اللجنة تُفاوض رجال أعمال من عهد الأسد على تسويات مالية مقابل إعادة تدويرهم مجدداً وتبييض أموالهم، وقد ضمت اللجنة إلى جانب حازم الشرع شخصية أسترالية تُعرف باسم أبو مريم الأسترالي.
في جوهرها لم تكن هذه لجنة إصلاح اقتصادي بل آلية لإعادة توزيع الريع تحت إشراف العائلة الحاكمة والنتيجة كانت ولادة اقتصاد موازي يربط رجال الأعمال الجدد بالرئاسة عبر شبكة من المصالح والصفقات في نموذجٍ كلاسيكي لما يسميه الاقتصاديون “إعادة هيكلة الفساد” لا مكافحته.
يُمكن القول إن سوريا ما بعد الحرب والأزمة ورغم آمال السوريين التي بلغت عنان السماء في التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية متطورة تمثل نموذجاً صافياً لما يمكن تسميته “المنظومة الريعية ما بعد النزاع”، فالفساد يمكن أن يشتري الوقت لكنه لا يبني مؤسسات وما لم تتغير البنية السياسية ـ الاقتصادية التي تجعل منه شرطاً لبقاء النظام، ستظل سوريا دولة مؤجلة، يحكمها من يدرك أن الفساد هو آخر ما يملك.
No Result
View All Result