دجوار أحمد آغا
الكرد من أقدم شعوب الشرق الأوسط، وهي تقطن سلسلة جبال زاغروس / طوروس التي تشبه القوس، معظم أراضي بلاد الكرد جبلية وعرة، فيها قمم عالية شاهقة ترتفع الى ما يزيد عن 5000 متر جبل أكري 5228 م كما تتميز بالوديان السحيقة والأنهار الخالدة (دجلة، الفرات، آراس، الزاب).
هذه الطبيعة الخلابة ووفرة المياه وكثرة الينابيع، جعلت من أبناء الشعب الكردي يتغنون بجمال بلادهم الرائعة، ويناضلون من أجل الحفاظ عليها وحمايتها من غدر الزمان، لكن بعد احتلالها من العثمانيين والصفويين ومن ثم تقسيمها بين أربع دول وفق معاهدة لوزان المشؤومة 1923، تحول معظم أبناءها الى النضال والكفاح من أجل تحريرها من الأعداء. في هذا المقال نتحدث عن أحد أبناء كردستان البررة الذي ناضل بكل قوة وفي شتى المجالات من أجل وطنه كردستان الى أن اغتاله الأعداء. انه المناضل الوطني الكبير صالح اليوسفي.
الولادة في ظلال الجبال.. ونشأةٌ في كنفِ الأم
ولد “صالح عبد الله نجم الدين طه اليوسفي” في كانون الثاني 1918 في بلدة بامرني الواقعة في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق، في زمن كانت فيه الدولة العثمانية على وشك الانهيار، كان الابن الأصغر بين إخوته، بعد أختيه عائشة وأسماء، وفقد والده بعد شهور قليلة من ولادته، فتربى في كنف والدته فاطمة سيد مصطفى، حفيد الشيخ يوسف الزاخويي.
نشأ اليوسفي في بيئة كردية أصيلة غنية بالتقاليد والروح الوطنية، محاطاً بجبال كردستان الشامخة التي غرست في نفسه حب الوطن والحرية. أكمل دراسته الابتدائية في بلدته، ثم أرسلته أسرته إلى بغداد ليكمل الثانوية في “ثانوية آل البيت”، حيث تخرج عام 1938 وعُيّن مدرساً في بلدة حرير. لم تكن بغداد مجرد مكان للدراسة، بل بوابة لوعيه السياسي المبكر.
الدراسة والوعي الوطني الكردي
وعاد اليوسفي إلى بغداد ليدرس في كلية دار العلوم (قسم الشريعة)، وتخرج عام 1942 بدرجة امتياز، فاز ببعثة إلى جامعة الأزهر في مصر، لكنه تنازل عنها لظروف أسرته المادية وليعيل إخوانه، عمل كاتباً في محاكم الموصل ثم سنجار وزاخو، وأصبح مديراً لأموال القاصرين في الموصل.
وفي تلك الفترة، بدأ وعيه الوطني الكردي يتبلور، تأثر بأحداث المنطقة، مثل مقتل الملك غازي عام 1939، فكان من مؤسسي جمعية “بروسك” (الصاعقة) السرية عام 1936-1938، إلى جانب رفاق مثل حمزة عبد الله وآخرين، شارك في تأسيس حزب “هيوا” (الأمل) ثم حزب “رزكاري كردستان” (تحرير كردستان) عام 1945، الذي كان نواة للحركة الكردية المنظمة. كان أيضاً أول شاعر عراقي ينظم قصيدة ضد الشركات الأجنبية المحتكرة للنفط بعنوان “أجيج النيران المتوهجة” عام 1942.
مواقفه السياسية.. بين الثورة والمفاوضات
وكان “صالح اليوسفي”، أحد المؤسسين البارزين لـ “الحزب الديمقراطي الكردستاني” (KDP) في مؤتمره التأسيسي ببغداد عام 1946، إلى جانب الملا مصطفى البارزاني وآخرين، أصبح عضواً في المكتب السياسي واللجنة المركزية، وتولى مسؤولية الفرع الخامس للحزب في بغداد بعد ثورة 14 تموز 1958، اعتقل عدة مرات في عهد عبد الكريم قاسم بسبب نشاطه.
وفي عام 1967، أسس وترأس صحيفة “التآخي” الناطقة باسم الحزب، التي عكست التزامه بالأخوة العربية-الكردية، لعب دوراً محورياً في مفاوضات بيان 11 آذار 1970، وتولى منصب وزير الدولة، ونائب رئيس جمعية الصداقة العراقية-السوفيتية، ورئيس اتحاد الأدباء والكتاب الكرد، وعضو مجلس السلم والتضامن، رفض الاستسلام بعد اتفاقية الجزائر 1975، وعاد إلى بغداد محاولاً استمرار النضال السياسي داخل الوطن.
تأسيس الحركة الاشتراكية الكردستانية
وفي أيار 1976، أسس اليوسفي “الحركة الاشتراكية الديمقراطية الكردستانية”، معبراً عن رؤيته الاشتراكية الديمقراطية التي تجمع بين القومية الكردية والعدالة الاجتماعية، كان يؤمن بالنضال السلمي والديمقراطي، ورفض الخضوع للنظام البعثي رغم الإغراءات والتهديدات، ظل ملتزماً بمبادئه، رافضاً تأييد النظام في حربه ضد إيران، مما جعله هدفاً للاغتيال.
الاستشهاد.. رسالة الموت من نظام الطغيان
وفي صبيحة 25 حزيران 1981، تسلم “صالح اليوسفي” طرداً بريدياً مفخخاً في منزله ببغداد، انفجر الطرد بين يديه بعد مغادرة ساعي البريد، فنُقل إلى مستشفى اليرموك حيث فارق الحياة عن 63 عاماً، اتهمت أصابع الاتهام نظام صدام حسين، الذي لم يتحمل وجود صوت كردي حر نزيه داخل العاصمة، نقل جثمانه إلى زاخو حيث دُفن وسط حزن شعبي كبير.
وختاماً، نستطيع القول بأن “صالح اليوسفي”، لم يكن مجرد سياسي أو صحفي، كان مفكراً وشاعراً ومعلماً ألهم أجيالاً، ترك إرثاً من النزاهة والإخلاص والتفاني في خدمة القضية الكردية والعراقية، رفض المناصب الزائفة والإغراءات، وفضّل الشهادة على الصمت، يُذكر اليوم كرمز للنضال الكردي المعتدل والمبدئي، يُدرس في أوساط الشباب الكردي كمثال للالتزام بالحق رغم الثمن الباهظ.
في زمن يسود فيه الاستبداد، يظل “صالح اليوسفي” شاهداً حياً على أن الأفكار لا تموت، والدماء الزكية تروي شجرة الحرية. رحمه الله، وخلّد ذكراه في وجدان الشعب الكردي والعراقي.