No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – تبرز ظاهرة عمالة الأطفال في سوريا واقعا مؤلما لانتهاك حقوقهم، فيضطر كثير من الأطفال ترك مقاعد الدراسة بسبب الظروف المعيشية الصعبة والالتحاق بسوق العمل؛ ما يعكس تحديات اجتماعية وإنسانية تمس حقوق الطفولة والتعليم ومستقبل الأجيال القادمة.
في يوم العمال العالمي، تتجه الأنظار عادة إلى قضايا العمال وحقوقهم وظروف عملهم، لكن في سوريا يبرز واقع مختلف وأكثر تعقيداً، حيث لا يقتصر العمل على البالغين فقط، بل يمتد ليشمل الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع متطلبات الحياة القاسية، هؤلاء الأطفال لم يدخلوا سوق العمل بدافع الطموح أو الرغبة، بل نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة أجبرتهم على ترك مقاعد الدراسة، وتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم بكثير، فقصصهم ليست حالات فردية معزولة، بل ظاهرة متزايدة تستدعي الوقوف عندها بجدية، خاصة في مناسبة “يوم العمال العالمي” التي تعنى أساساً بحقوق الإنسان في العمل والعيش الكريم.
تحمل المسؤولية في الصغر
وتعد تجربة “تاجي إدريس” من مدينة قامشلو، من الحالات التي تختصر سنوات طويلة من العمل المبكر في حياة طفل لم تتح له فرصة عيش طفولته بشكل طبيعي، حيث يبلغ “إدريس” 16 عاماً، لكنه يمتلك خبرة تمتد تسع سنوات في بيع الفواكه، ما يعني أنه بدأ العمل في عمر مبكر جداً، ربما في وقت كان من المفترض أن يكون فيه في الصفوف الأولى من المدرسة، هذا الدخول المبكر إلى سوق العمل لم يكن خياراً نابعاً من رغبة شخصية، بل نتيجة ظروف معيشية صعبة فرضت عليه تحمل مسؤوليات أسرية في سن صغيرة.
وعلى مدار هذه السنوات، تعلم “إدريس” الكثير من المهارات العملية، مثل كيفية التعامل مع الزبائن، وتنظيم العمل، وتحمل ضغط السوق اليومي، كما أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه بشكل كبير، وهو أمر يظهر جانباً من النضج المبكر، والذي جاء على حساب جانب مهم جداً من حياته، وهو “التعليم”، فانقطاعه عن الدراسة لم يحرمه فقط من المعرفة الأكاديمية، بل من تجربة اجتماعية وإنسانية مهمة، ومن فرصة بناء مستقبل أكثر تنوعاً. فلا ينظر لـ “إدريس” إلا حالة تعكس خللاً أوسع في المجتمع، حيث تجبر الظروف الاقتصادية الصعبة إلى ترك الأطفال لدراستهم والالتحاق بسوق العمل لمساعدة عوائلهم وتأمين لقمة عيشهم. لذا؛ فرغم صبر “إدريس” وقوة إرادته إلا إن طاقاته تستهلك في أعمال هدفها الأساسي هو البقاء، وليس التطور أو تحقيق طموحات أكبر، لذلك، فإن قصته تطرح تساؤلات مهمة حول كيفية دعم أطفال مثله، وإيجاد حلول تتيح لهم استعادة حقهم في التعليم، دون الحرمان من مصدر رزقهم.
عمل مبكر وطفولة مفقودة
الطفل “محمد عبود الحسن” البالغ من العمر 13 عاماً، من مدينة قامشلو، فيمثل نموذجاً مختلفاً نسبياً، حيث لا تزال تجربته في العمل حديثة، لكنها تحمل دلالات عميقة، فقد درس “الحسن” حتى الصف الخامس، وكان لديه طموح في متابعة تعليمه، إلا إن الظروف المعيشية الصعبة أجبرته على ترك المدرسة، فلم يكن القرار سهلاً، بل لضغط الواقع الذي فرض عليه البحث عن عمل يساعده على تأمين احتياجات عائلته.
وبعد تركه الدراسة، بدأ “الحسن”، رحلة البحث عن فرصة مناسبة، ولم يستسلم لفكرة البقاء دون هدف، وبعد فترة وجد فرصة للتدرب في مجال دهان السيارات، وهو مجال لم يكن يعرف عنه الكثير في البداية، حيث بدأ التدريب في إحدى الورش منذ ستة أشهر، ومع مرور الوقت أصبح أكثر إلماماً بتفاصيل المهنة، مثل تحضير الأسطح، وخلط الألوان، واستخدام أدوات الدهان بشكل صحيح.
وما يميز “الحسن”، ذهنه الواضح في التعلم، حيث لا يكتفي بما يُطلب منه، بل يسعى دائماً لاكتساب مهارات جديدة، فأصبح يلاحظ فرقاً كبيراً في نفسه خلال فترة قصيرة، إذ أصبح أكثر التزاماً وثقة، وأدرك قيمة العمل والجهد، كما أنه لا يرى في عمله مجرد وسيلة للعيش، بل طريقاً لتحقيق حلمه بأن يصبح “معلم دهان” محترفاً في المستقبل.
ورغم هذه الإيجابيات، تبقى قصة “محمد عبود الحسن” مرتبطة بواقع مؤلم، وهي حرمانه من التعليم، فإذا توفرت له فرصة الجمع بين العمل والدراسة، لتمكن من بناء مستقبل أكثر توازناً، فتجربته تُظهر أن الأطفال يمتلكون طاقات كبيرة، لكنهم بحاجة إلى بيئة تدعمهم وتوفر لهم خيارات أفضل.
حياة طفل خارج المدرسة
من جهة أخرى، تعكس تجربة “محمد علي”، الطفل البالغ من العمر 13 عاماً من مدينة حلب، والذي يقيم في مدينة قامشلو، صورة مختلفة لعمل الأطفال، فيرتبط عمله بشكل مباشر بإعالة الأسرة، فقد درس “محمد علي” حتى الصف الخامس، لكنه اضطر إلى ترك المدرسة بسبب الظروف المعيشية الصعبة، فبدأ العمل مع والده في بيع المشاوي، علماً أن هذا العمل يتطلب جهداً يومياً، ويضعه في بيئة عمل مليئة بالتحديات، فيما تمكن من التكيف معها مع مرور الوقت.
ولم يكتفِ “محمد علي” ببيع المشاوي مع والده، بل سعى إلى تحسين وضعه من خلال فتح بسطة صغيرة يبيع فيها بعض السلع مثل “الطرابيش والبذور والبسكويت والماء”، ويعكس هذا المشروع البسيط روح المبادرة لديه، ورغبته في تحقيق دخل إضافي يساعد عائلته، ليتمكن “محمد علي” من كسب ما بين العشرة آلاف إلى 15 ألف ليرة سورية يومياً، وهو مبلغ محدود لكنه مهم في ظل الغلاء الكبير.
ويرى “محمد علي” أن العمل أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ويعبر عن قناعة تشكلت لديه في سن مبكرة، أن من لا يعمل لا يستطيع أن يعيش، فهذه الكلمات تخفي وراءها واقعاً قاسياً، حيث اضطر طفل في هذا العمر إلى التخلي عن دراسته وتحمل مسؤوليات كبيرة.
قوانين حقوق الطفل
وهناك قوانين لضمان حقوق الطفل، تعود إلى فترة نظام البعث، حيث لم تُصدر الحكومة السورية المؤقتة الحالية حتى الآن أي قوانين جديدة خاصة بحقوق الطفل بدلاً منها أو محدثة لها، والقوانين كالتالي:
ـ المادة 14: للطفل الحق في الحماية من جميع أشكال العنف، وخاصة الإساءة الجسدية أو المعنوية أو الجنسية أو الأخلاقية، وغيرها من أشكال سوء المعاملة، وله الحق في الحماية من الاستغلال والإهمال والتقصير والتشرد والأخطار المرورية وسائر الممارسات الضارة.
ـ المادة 15: لكل طفل حق على والديه والمجتمع والدولة في الحضانة والحماية والتربية والرعاية.
ـ المادة 27: تكفل الدولة حق الطفل في التعليم بمختلف مراحله، وتعمل على رفع المستوى العلمي بشكل مستمر، ويكون التعليم في المدارس العامة مجانياً وإلزامياً في مرحلة التعليم الأساسي.
ـ المادة 36: يحظر تشغيل الطفل الذي لم يتم الخامسة عشرة من عمره، كما يُحظر استغلال الطفل اقتصادياً أو تشغيله في أي عمل يحتمل أن يكون خطيراً، أو يُعيق تعليمه، أو يضر بصحته أو نموه البدني أو العقلي أو الروحي أو الأخلاقي أو الاجتماعي. ويحظر تكليف الطفل بالعمل لساعات إضافية مهما كانت الأسباب، أو بقائه في مكان العمل خارج الأوقات المقررة، كما لا يجوز تشغيله ليلاً أو في أيام الراحة الأسبوعية أو العطل الرسمية والأعياد، وفقاً للقوانين ذات الصلة. ويخضع الطفل قبل إلحاقه بالعمل لفحص طبي للتأكد من حالته الصحية ومدى ملاءمته للعمل، ويعاد الفحص مرة كل عام.
ـ المادة 40: للطفل الحق في الراحة واللعب واستثمار وقت الفراغ في الأنشطة الاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية، بما يتناسب مع عمره وقدراته ومصلحته الفضلى، وعلى الدولة توفير البيئة المناسبة لذلك بالتعاون مع الأسرة والمجتمع.
No Result
View All Result