روناهي/ قامشلو ـ في كل عام، تعود ذكرى مأساة “سردشت” لتفتح جراحًا لم تندمل، وتستحضر واحدة من أبشع الهجمات الكيميائية التي استهدفت المدنيين، فعلى الرغم من مرور عقود على القصف، لا يزال الناجون يواجهون تداعيات صحية ونفسية واجتماعية تثقل حياتهم اليومية، فيما تبقى آثار الأسلحة الكيميائية شاهدة على كارثة إنسانية لم تنتهِ بانتهاء الهجوم، بل امتدت إلى أجيال لاحقة ما زالت تدفع ثمنها.
بعد مرور 39 عاماً على الهجوم الكيميائي الذي استهدف مدينة “سردشت” في شرق كردستان، ما تزال آثار واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين تلقي بظلالها على حياة آلاف الناجين، الذين يواجهون أمراضاً مزمنة ونقصاً في الرعاية الصحية، وسط مطالبات متواصلة بإنصاف الشهداء. وفي الوقت الذي لم تندمل فيه جراح الكارثة، يؤكد ناشطون أن أبناء المدينة يواجهون تحديات جديدة تتمثل في الاعتقالات وأحكام السجن والإعدام التي تطال عدداً منهم داخل إيران، لتستمر معاناة سردشت بين إرث الهجوم الكيميائي وواقع الانتهاكات المستمرة.
مئات الشهداء وآلاف المصابين
وفي 28 حزيران 1987، نفذ نظام البعث العراقي السابق بقيادة صدام حسين هجوماً بالأسلحة الكيميائية المحظورة على مدينة سردشت، ليضيف جريمة جديدة إلى سجل الانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب الكردي.
وفي الساعة الرابعة وخمس وعشرين دقيقة مساء ذلك اليوم، قصفت طائرات النظام المدينة بسبع غارات مستخدمة الغازات السامة، حيث استهدفت بقنبلتين سوق المدينة، وقنبلتين أحيائها السكنية، فيما ألقيت ثلاث قنابل أخرى على القرى المحيطة بسردشت.
وأدى الهجوم إلى ارتقاء مئات الشهداء وإصابة آلاف المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، كما امتلأت المستشفيات بالمصابين في ظل عجزها عن استيعاب الأعداد الكبيرة من الجرحى.
وبحسب إحصاءات غير رسمية، أسفر القصف عن استشهاد نحو 150 شخصاً وإصابة ما يقارب ثمانية آلاف آخرين، إلا أن تقديرات محلية تشير إلى أن العدد الحقيقي للشهداء والمصابين كان أكبر من ذلك، معتبرةً، أن الأرقام المعلنة آنذاك لم تعكس حجم الكارثة بشكل كامل، كما تسبب الهجوم في تلوث البيئة والهواء في سردشت والمناطق المحيطة بها بالمواد الكيميائية السامة.
وجاء هذا الهجوم خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين كان الشعب الكردي يدفع ثمن الصراع بين بغداد وطهران، إذ استخدم نظام صدام حسين الحرب ذريعة لقصف المدينة، ما أدى خلال دقائق إلى استشهاد وإصابة آلاف المدنيين.
معاناة الناجين
ورغم مرور 39 عاماً على الهجوم، لا يزال الناجون يعانون من “أمراض مزمنة، ونقص في الأدوية، وارتفاع تكاليف العلاج”، فضلاً عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، كما أن عدداً من المصابين لم يحصلوا على تعويضات، فيما لم يسجل آخرون رسمياً ضمن قوائم المتضررين، رغم امتلاكهم وثائق وتقارير طبية تثبت إصاباتهم.
وأكد المصابون، أنهم راجعوا مختلف المؤسسات الحكومية للمطالبة بحقوقهم، إلا أن مطالبهم لم تلق استجابة كافية، بينما لا يزال الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية يمثل تحدياً يومياً لهم، ما جعل الكثير منهم يعيشون حالة من الإحباط وسط استمرار معاناتهم الجسدية والنفسية.
وبحسب التقرير، فإن معاناة أبناء سردشت لم تتوقف عند آثار الهجوم الكيميائي، بل تتواصل اليوم من خلال ما يصفه ناشطون باستمرار الاعتقالات وأحكام السجن والإعدام التي تطال عدداً من شباب المدينة في إيران على خلفية نشاطهم السياسي أو مشاركتهم في الاحتجاجات أو بسبب هويتهم الكردية.
ولم تكن سردشت المنطقة الوحيدة التي تعرضت للهجمات الكيميائية، إذ سبق أن قصف نظام البعث في 25 تشرين الأول 1983 قرية باينجان التابعة لمدينة بانه بالأسلحة الكيميائية، كما استهدف بعد عشرة أيام منطقة شلير التابعة للمدينة نفسها، ما أسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى من المدنيين.
ويؤكد التقرير، أن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الكرد في مراحل مختلفة من التاريخ يمثل واحدة من أخطر الجرائم المرتكبة بحقهم، مشيراً إلى أن الأدلة والوثائق المتعلقة بهذه الهجمات لا تزال موجودة لدى جهات دولية، إلا أن ذلك، بحسب التقرير، لم يترجم إلى إجراءات كافية لمنع تكرار هذه الجرائم أو محاسبة المسؤولين عنها.
وتبقى مأساة “سردشت” تذكيرًا مؤلمًا بخطورة استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، وبضرورة عدم الاكتفاء بإحياء الذكرى، بل مواصلة المطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين، إلى جانب توفير الرعاية الصحية والدعم المستمر للناجين، فآثار تلك الكارثة لا تزال حاضرة في أجساد المصابين وذاكرة المدينة، لتؤكد أن المأساة لم تصبح جزءًا من الماضي بعد، بل لا تزال تلقي بظلالها على الحاضر.