No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
النّصُّ المسرحي من الأجناس الأدبية النثرية، رغم إدراجه ضمن الفنون العامّة، وهو ما يجعله عملاً أدبيّاً فنياً يحتاج للإبداع الأدبي والفني بوقت واحد، ويفرض على كتّابه جهداً مضاعفاً للوصول إلى الحالة الإبداعية الكاملة
نشأة المسرح السوري
نشأ المسرح في سوريا في أوائل سبعينات القرن التاسع عشر عام 1871م على يد “أحمد أبو خليل القباني” في دمشق، قدّم القباني عروضاً مسرحية غنائية مستوحاة من التراث الشعبي مثل “أنس الجليس” و”ناكر الجميل”، لتنتقل بعدها الحركة المسرحية لمرحلة الأندية الفنية والجمعيات، وتعود النصوص المسرحية الأولى في سوريا إلى المرحلة، التي اعتمدت على التراث الشعبي والترجمة والاقتباس بشكل أساسي قبل أن تتطور إلى نصوص محلية على يد عدد من الكتّاب السوريين بعد ذلك.
تعريف المسرح والنص
وعن تعريف المسرح بشقيه الأدبي والفني؛ أشارت الكاتبة والمخرجة المسرحية “فاطمة أحمد” في حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” إلى أن المسرح عمل أدبي مكتوب يُعد أساساً للعرض على خشبة المسرح، ويعتمد بشكل رئيسي على الحوار بين الشخصيات مع بعض الإرشادات التي توضع بين قوسين مثل “تعابير الوجه، والحالة النفسية فرح، وغضب، ومستعجل، ودخول وخروج الممثلين”، ويقسم إلى مشاهد وفصول.
أما عن الفرق بين النص المسرحي والسيناريو المسرحي؛ فتابعت فاطمة أحمد: “يركز النص المسرحي على الحوار والبناء الدرامي مع بعض الإرشادات الموجزة، ويترك المساحة الأكبر للمخرج وإبداعاته، أما السيناريو المسرحي فهو أكثر تفصيلاً ويُستخدم في الورش المسرحية ويتضمن توجيهات دقيقة مثلاً الإضاءة لحظة بلحظة والمؤثرات الصوتية، الديكور والألوان، وزي الممثلين وغير ذلك، وهو أيضاً عمل أدبي ولكن مع خطة إخراج من الكاتب قبل مخرج العمل”.
أزمة السيناريو المسرحي في الجزيرة
ولدى سؤال الكاتبة والمخرجة المسرحية فاطمة أحمد عن مستوى السيناريو المسرحي في مقاطعة الجزيرة أكدت أنه توجد بيئة نابضة بالحياة في الجزيرة على مستوى الأفكار والمواضيع التي يتناولها الكاتب، وذلك يعود إلى التنوع الثقافي الكردي والعربي والسرياني والأرمني، ويعد مصدر إلهام للكاتب واختيار المواضيع الملائمة لبيئته وعرض لغته وثقافته بما يحقّق جذباً أكبر للجماهير، وقلة كتّاب المسرح في هذه المنطقة تعود لأسباب سياسية واقتصادية، مشيرة إلى أن كتابة النص المسرحي عموماً في زمن نظام البعث البائد عانت من الاضطهاد والملاحقة الأمنية واضطر كتّابه للكتابة دون النشر أو العمل بهذه النصوص ضمن أعمال مسرحية، كما أكدت أنه بعد ثورة روج آفا، وتحرير المنطقة من وجود نظام البعث أخذت الثقافة جميعها متنفساً ولقيت صدراً رحباً اتسع لجميع ثقافات المنطقة، ولكنها اصطدمت بالواقع الاقتصادي الصعب الذي أصبح خنجراً في خاصرة العمل المسرحي وعقبة رئيسية في طريق الكتّاب، فأصبحت الأولوية لديهم البحث عن لقمة العيش؛ ما يطفئ الشغف والإبداع واللجوء إلى الهجرة أو الابتعاد عن عالم الكتابة وانكفاء المبدعين عن كتابة السيناريو المسرحي.
فاطمة أحمد أشارت إلى نقطة هامة في هذا المضمار أن جمهور الجزيرة يفضل الرواية أكثر من النص المسرحي، ما دفع الكثير من كتّاب المسرح إلى أجناس أدبية أخرى مثل القصة والرواية والشعر؛ لأنها أكثر رواجاً.
مسرح الطفل
وبما يخص مسرح الأطفال؛ عدَّت الكاتبة والمخرجة المسرحية “فاطمة أحمد” أن مسرح الطفل على مستوى السيناريو والعمل الفني هام جداً في بناء الوعي لدى الأطفال، فالملموس والمنظور ثبات الصورة، والهدف تنمية الوعي لدى الطفل، ولكن رغم الجهود والمحاولات المبذولة للارتقاء بهذا الفن للمستوى المطلوب هناك العديد من التحديات أيضاً تتمثّل بقلّة الكفاءات على وجودها وغياب الدعم المادي وارتفاع التكاليف، وعدم توفر خشبة مسرح مناسبة لعروض مسرح الطفل، وهناك قلة في النصوص المسرحية المحلية الموجهة للطفل والتي تلامس واقعنا، ما دفع باللجوء إلى الترجمة، مشددة على وجوب العناية باختيار المواضيع المناسبة للأطفال، كما نوّهت إلى منافسة الألعاب الإلكترونية، التي أصبحت هوساً لدى الأطفال، وتابعت أن هناك مهرجاناً سنوياً للطفل في الجزيرة يتضمن فنوناً عدة مثل الغناء والدبكة والشعر والمسرح، مبينة أن المسرح لا يأخذ حقه خاصة بعدم وجود خشبة مسرح متخصصة للعروض بالشكل المناسب، الذي يخدم العرض المسرحي، وأكدت أن هناك الكثير من النقاشات الجدية لتخطي هذه العقبات وإنشاء أكاديميات خاصة وتأمين كل ما يحتاجه ذلك من أمور لوجستية.
تاريخ المسرح في الجزيرة
وعن تاريخ المسرح في الجزيرة السورية ومن خلال تجربتها تقول الكاتبة والمخرجة المسرحية فاطمة أحمد: “إن المسرح بمعناه الحقيقي لم يكن موجوداً في هذه المنطقة، ولكن من عاصر مرحلة الثمانينات يذكر التشديد الأمني لحكم نظام البعث على المسرح الكردي تحديداً، حيث تعرض لسياسة التهميش والإقصاء؛ ما اضطر الكتّاب والفنانون للعمل بشكل سري، وكان بيتنا في تلك الحقبة عبارة عن مركز ثقافي مصغر، وكان يقتصر في ذلك الوقت على المناسبات وخاصة تحضيرات عيد نوروز، ورغم بساطة الأعمال المقدمة إلا إنها لها جماهير عريضة ومحبة للمسرح، مع عدم توفر مكان مناسب”، كما دعت إلى ضرورة الاهتمام وتكثيف مسابقات النصوص المسرحية بهدف تشجيع الكتّاب بشكل مستمر، الأمر الذي يجعل المسرح يخرج من قوقعة الجمود، كما شجعت على استمرار إقامة المهرجانات المسرحية على غرار السنوات الماضية في كوباني واستضافة فرق مسرحية من الخارج من إقليم كردستان وإيران، فتلك خطوة لتوسيع دائرة الإبداع والاستفادة من التجارب الأخرى، وشجعت على تطوير الحالة الإعلامية والترويج للأعمال المسرحية في هذه المنطقة ومنحها حقها الكامل.
المفاضلة بين المسرح والأجناس الأخرى
وأردفت فاطمة أحمد “المسرح جنس أدبي مختلف عن باقي الأجناس الأدبية؛ لأنه سلسلة متكاملة تبدأ بالنص المسرحي ثم الإخراج والممثلين والإضاءة والديكور والموسيقا والمؤثرات الصوتية والإكسسوارات، فالجمهور يرغب بأن يرى بعينه النص حين ينطق ويضحك ويبكي، ينتصر وينكسر، أما الأجناس الأدبية الأخرى مثل الرواية والقصة، والشعر، فهي مرنة تسمح بالتعمق في النفس البشرية والمكان والزمن، في حين يعتمد المسرح على الصراع والحوار المباشر والمواقف القابلة للتمثيل أمام الجمهور” وتنوه إلى إمكانية الإضافة إلى وحدة المكان والزمان، وإلى أن الإنتاج المسرحي مكلف ويحتاج إلى نص وممثلين وديكور، وإضاءة وغير ذلك، أما الرواية على سبيل المثال فلا تحتاج إلا إلى قلم ومخيلة واسعة وإبداع من الكاتب ثم تأتي الطباعة.
واختتمت الكاتبة والمخرجة المسرحية “فاطمة أحمد” حديثها بأن الأجناس الأدبية الأخرى أكثر شيوعاً، فهي تحظى باهتمام أكبر وخاصة في الطباعة، وأن الجمهور القارئ للرواية والقصة أوسع من جمهور المسرح الذي يتطلّب حضوراً مادياً وزمانياً في ظل انتشار السينما والتلفاز وابتعاد نسبة كبيرة من الجمهور عن الأعمال المسرحية الصرفة، مؤكدة أن المسرح يبقى فناً وأدباً بذاته له خصوصيته و إيقاعه المتكامل؛ لأنه مواجهة بين الممثل والجمهور عندما يتحول الأبطال من كلمات على الورق إلى أبطال حقيقيين على الخشبة، كما شجّعت الكتّاب على تبنّي الحالة الإبداعية للمسرح بعيداً عن التحديات في سبيل الحفاظ على هذا الإرث الفني العظيم وتطويره بالشكل الأمثل.
No Result
View All Result