عبد الرحمن ربوع
لم تعد حربًا باردة، بل حرباً مستعرةً مباشرةً بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جهةٍ أخرى. والساحة لم تعد لأوروبا الشرقية أو البلقان أو آسيا الوسطى فقط؛ بل امتدت إلى أفريقيا لتشمل مالي وبوركينا فاسو والنيجر غربًا، ومدغشقر شرقًا، مرورًا بليبيا والسودان. مع ترجيحات بانخراط دول أخرى في هذا الصراع مع محاولة روسيا الدؤوبة للوصول إلى تحالفاتٍ استراتيجية مع غينيا وتوغو وجمهورية الكونغو وغينيا الاستوائية وانتزاعها من أحضان الغرب.
لا يمكن إغفال الجذور
ثمة خمسة قرون من الصراع على الأقل. منذ عهد بطرس الأكبر (1682 ـ 1725) الذي صاغ أول حلم روسي لبناء إمبراطورية على غرار الإمبراطوريتين الرومانية والإغريقية، لكن حالت آلاف الإمارات الأوروبية الإقطاعية بينه وبين ذلك الحلم، ليظلَّ الأوروبيون حتى اليوم حجر عثرة في وجه أي تمدد أو تفوّق روسي. فيما تُبادلهم روسيا الاستراتيجية نفسها فتُنغّص عليهم تفوقهم العسكري بتقدم موازي مقلق. كما تُنغِّص عليهم استعمارهم لأفريقيا وآسيا بدعم حركات التحرر والانقلابات، مثلما حدث في الحرب الكورية وحرب فيتنام والثورة الكوبية، فضلاً عن حروب التحرير العربية من الاستعمار الغربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
اختراقات روسيّة
ونترك قراءة أحداث التاريخ لنقرأ أحداث اليوم. اليوم نشهد اضطرابات خطيرة في بعض الدول الأفريقية التي كانت متماهية في علاقات استراتيجية مع الأوروبيين والأمريكيين، والتي نجحت روسيا في اختراقها ودعم انقلابات عسكرية فيها لتتغير بوصلة العلاقات من الغرب إلى الشرق. ويتم طرد وتفكيك القواعد العسكرية الأوروبية والأمريكية ويحل محلها نفوذ روسي، ولتنقطع سلاسل توريد النفط والمعادن النفيسة والثروات الطبيعية التي كانت تعتاش عليها أو تتقوى بها بعض الاقتصادات الغربية.
الحليف المنقذ
بطبيعة الحال؛ فإن الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي خسرت نفوذها في بعض الدول الأفريقية لصالح روسيا لم تسكت ولم تستسلم للواقع الجديد أو تتعايش معه؛ بل تكثف مساعيها لاستعادة مواقعها ومواردها، وهذا ما شرعت به مؤخرًا في مالي عبر مجموعات مسلحة من مقاتلي JNIM “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لـ”تنظيم القاعدة”، حيث تم شن أكبر وأخطر هجوم من نوعه خلال عشر سنوات في أفريقيا لتندلع مواجهات عنيفة في قلب العاصمة المالية، باماكو، بين الجيش المالي ومقاتلي التنظيم قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، فيما لاذ الرئيس أسيمي غويتا بالاختباء في إحدى القواعد العسكرية جنوب العاصمة، معسكر كاتي أو قاعدة سامانكو، تحت حماية مباشرة من عملاء شركة “سادات” الأمنية التركية. وبالتوازي أعلن “فيلق أفريقيا” الموالي لحكومة الرئيس المؤقت أسيمي غويتا والتابع لسيطرة الكرملين الانسحاب من بلدة “كيدال” في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة مع “جبهة تحرير أزواد”. وهي حركة انفصالية مدعومة من دول إقليمية ومتعاونة مع تنظيم القاعدة في غرب أفريقيا. أي أن العملية تمت بالتزامن والتنسيق بهدف إسقاط نظام غويتا، وتمكين إياد أغ غالي الملقب بـ”أبو الفضل” ورفاقه من السيطرة على البلاد وطرد الروس منها ريثما ينظر الأمريكان والأوروبيون في شأنه لاحقًا، فيتخلصوا منه، أو يمنحوه إمارة تلبي لهم كل طلباتهم وتنفذ كل اشتراطاتهم.
جولة أولى تعقبها جولات
رغم فشل الهجوم الذي شنه مسلحو “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في السيطرة على العاصمة أو في النيل من الرئيس المؤقت غويتا؛ إلا أن الضربة كانت قوية وخلّفت عشرات القتلى والمصابين من الجانبين ومن المدنيين، وهي مجرد جولة أولى، ولن تكون الأخيرة، وستكثف هذه المجموعات المسلحة حضورها وعملياتها في مالي وغيرها من الدول الأفريقية طالما استمر الدعم الأوروبي والأمريكي والإقليمي لها بغرض تقويض الحكومات الجديدة الموالية لروسيا وإعادة الحكومات الموالية لواشنطن، أو إنشاء حكومات جديدة موالية وتابعة للغرب.
وبطبيعة الحال لا يمكن للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التدخّل حاليًا أو مستقبلاً ضد الحكومة الجديدة الموالية لروسيا في مالي إلا عبر دعم مجموعات محلية كتنظيم القاعدة، فواشنطن لا تجد بدًّا من هذا الخيار لأن المناخ العام في مالي ودول الجوار معادٍ للغرب بسبب سياساته واستراتيجياته التي دعمت وتدعم أنظمة فاسدة أفقرت هذه الدول وحولتها إلى مناجم لاستخلاص الثروة، وحولت شعوبها لعبيدٍ وعمال بالسخرة.
في المقابل كانت التنظيمات المتطرفة والمسلحة خيارًا سهلاً ومتاحًا، وعونًا ومساعدًا للأمريكان في صراعهم مع الروس في ظل الجُبن البيّن عن المواجهة المباشرة مع موسكو سواء من الأمريكان أنفسهم أو من حلفائهم الأوروبيين، أو حتى من حلفائهم الإقليميين الذي يعمدون إلى مسك العصا من المنتصف خوفًا على أنظمتهم من السقوط في بئر الموالاة غير المحسوبة لهذا الطرف أو ذاك، لذلك يتبقى الخيار الوحيد المتاح هو التنظيمات المتطرفة الجاهزة لخوض الحروب حتى النهاية طالما وجدت من يمولها ويذخر أسلحتها.