No Result
View All Result
تمني السروي
في الثاني والعشرين من نيسان، لا يمرّ التاريخ مرورًا عابرًا في الذاكرة الكردية، بل يقف شامخًا كأحد أعمدة الوعي القومي، يومٌ وُلدت فيه الكلمة الكردية حرّة، يوم صدور صحيفة “كردستان” عام 1898، التي لم تكن مجرد تجربة صحفيّة، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن أمةً كاملةً قررت أن تكتب نفسها، وأن تُسمع صوتها للعالم رغم كل محاولات التهميش والإقصاء.
من القاهرة، وفي زمنٍ كانت فيه الشعوب تُقاس بمدى قدرتها على التعبير عن ذاتها، خرجت “كردستان” لتكسر جدار الصمت، وتفتح نافذة واسعةً أمام شعبٍ كان يبحث عن صوته. لم تكن مجرد صفحات تُطبع، بل كانت روحًا تُبعث، ووعيًا يتشكل، ورسالةً تقول إن الكرد ليسوا هامشًا في التاريخ، بل صانعون له. لقد أدرك مؤسسوها إن الكلمة الحرة ليست رفاهية، بل سلاح، وإن الصحافة ليست مهنة، بل موقف.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الصحافة الكردية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى جبهة نضال قائمة بذاتها، جبهة واجهت القمع، وتحدّت الأنظمة، وصمدت أمام محاولات الطمس والتشويه. كم من قلمٍ كُسر لأنه قال الحقيقة؟ وكم من صوتٍ أُسكت لأنه رفض أن يكون تابعًا؟ ومع ذلك، بقيت الكلمة الكردية حيّة، تتجدد، وتقاوم، وتنهض من جديد في كل مرة يُظن أنها انتهت.
إن تاريخ الصحافة الكردية هو تاريخ من الجرأة النادرة، تاريخٌ كُتب بمداد الشجاعة، لا بالحبر فقط. صحفيون حملوا أرواحهم على أكفهم ليكتبوا الحقيقة، لم ينتظروا ضمانات، ولم يطلبوا حماية، بل آمنوا أن رسالتهم أكبر من الخوف، وأن الحقيقة تستحق أن تُدفع من أجلها الأثمان، وهنا يكمن سرّ عظمتها: لم تكن يومًا مهنةً آمنة، بل كانت دائمًا طريقًا محفوفًا بالمخاطر، ومع ذلك اختارها الأحرار.
واليوم، بعد أكثر من قرن على ولادة “كردستان”، تقف الصحافة الكردية أمام مرحلة جديدة، مرحلة تختلف في أدواتها لكنها لا تقل صعوبة في تحدياتها. لم يعد الخطر فقط في القمع المباشر، بل في فوضى المعلومات، وفي تزييف الوعي، وفي محاولات تحويل الإعلام من سلطةٍ رقابية إلى أداة توجيه. وهنا تبرز المعركة الحقيقية: معركة الحفاظ على جوهر الصحافة، لا شكلها فقط.
فهل تبقى الصحافة الكردية وفية لرسالتها الأولى؟ هل تظل صوت الشعب، أم تتحول إلى صدى للسلطة؟
وهل تستطيع الكلمة الحرة أن تحافظ على مكانتها في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتختلط فيه الحقيقة بالضجيج؟
الإجابة تبدأ من استعادة روح “كردستان”، تلك الروح التي لم تخف، ولم تتراجع، ولم تساوم. روحٌ تؤمن أن الصحافة ليست عددًا من المتابعين، ولا سباقًا على الخبر العاجل، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. فالإعلام الذي يفقد استقلاله، يفقد روحه، والإعلام الذي يتخلى عن الحقيقة، يتخلى عن نفسه. إن يوم الصحافة الكردية ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل هو عهد يتجدد، عهدٌ بأن تبقى الكلمة حرّة، وأن يبقى الصحفي الكردي وفيًا لقضيته، لا يخضع إلا للحقيقة، ولا ينحني إلا لضميره. هو يوم فخر، نعم، لكنه أيضًا يوم مراجعة، يوم نسأل فيه أنفسنا: هل نحن على قدر هذا الإرث العظيم؟
ولعل أعظم ما يمكن أن يُقال في هذا اليوم، أن الصحافة الكردية لم تكن يومًا ضعيفة، حتى في أقسى لحظاتها، ولم تكن يومًا صامتة، حتى حين أُريد لها أن تُسكت. لقد كانت دائمًا أقوى من القيود، وأبقى من المحاولات العابرة لإخمادها.
هنا، في هذا اليوم، نقف بإجلال أمام تاريخٍ لا يُختصر، وننحني احترامًا لأقلامٍ كُتبت بصدق، ونرفع رؤوسنا فخرًا بصحافةٍ لم تُهزم.
فالكلمة التي وُلدت في “كردستان” قبل أكثر من قرن…ما زالت حتى اليوم، تقاتل، وتُضيء، وتُثبت أن صوت أمةٍ كاملة لا يمكن أن يُطفأ.
No Result
View All Result