No Result
View All Result
كرديار دريعي
يصعب تناول تاريخ القضية الكردية المعاصرة دون التوقف عند شخصية المناضل عبد الله أوجلان، سواء من زاوية التأييد أو النقد. فقد تحوّل، منذ سبعينيات القرن الماضي، من قائد لحركة سياسية وعسكرية إلى أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الفكر السياسي الكردي، وأصبح اسمه حاضراً في معظم الملفات المتعلقة بالكُرد، من تركيا إلى سوريا والعراق وإيران، بل وفي حسابات القوى الإقليمية والدولية.
انطلقت حركة المناضل عبد الله أوجلان في بداياتها من خطاب قومي يساري يدعو إلى تحرير وتوحيد كردستان وإقامة دولة كردية مستقلة، إلا أنه وفي مرحلة التسعينيات بدأ بالبحث عن حلولٍ سلمية وأكثر واقعية وسنوات الاعتقال قادته إلى مراجعات فكرية عميقة، فانتقل من فكرة الدولة القومية إلى مفهوم “الأمة الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية الديمقراطية”، وهي رؤية تقوم على التعددية، والإدارة المحلية، والتعايش بين القوميات والأديان، بدلًا من إعادة إنتاج الدولة المركزية التقليدية، التي يراها المناضل أوجلان بأنها السبب وليس الحل لتعقيدات القضايا القومية والتعددية ومسائل الديمقراطية. هذه المراجعة الفكرية شكلت تحولًا كبيرًا في الفكر السياسي الكردي، وأثّرت في عددٍ من الحركات والتنظيمات، ولا سيما في روج آفا وشمال وشرق سوريا، حيث استُلهمت منها نماذج للإدارة المحلية والمؤسسات المدنية.
لقد أعاد القائد أوجلان تعريف جزء كبير من الخطاب السياسي الكردي، فقد نقل النقاش من المطالبة بالحقوق القومية فقط إلى قضايا الديمقراطية وحقوق المرأة والبيئة والمشاركة المجتمعية، كما لعب دورًا في إدخال القضية الكردية إلى أجندة النقاشات الدولية، سواء عبر الصراع أو عبر مبادرات الحوار. كما كان لصعود القوى المرتبطة بفكره ــ وخاصةً بعد النضال ضد داعش ــ أثَرٌ واضحٌ في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، فقد أصبحت مناطق الإدارة الذاتية في لاعبًا سياسيًا وعسكريًا لا يمكن تجاهله، ودخلت في علاقات مع قوى دولية وإقليمية، الأمر الذي غيّر جزءًا من معادلات النفوذ في المنطقة، كما فَرَضَ هذا الواقع على دول مثل تركيا وإيران وسوريا والعراق إعادة تقييم سياساتها تجاه المسألة الكردية، بينما تعاملت قوى دولية مع هذه التحولات باعتبارها جزءًا من توازنات الأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب، وعلى الرغم من اعتقاله منذ عام 1999، ما زال المناضل أوجلان يحتفظ بحضورٍ سياسي ورمزي كبير لدى أوسع شريحة من الكرد، واستمرار تأثيره يعود إلى امتلاكه مشروعًا فكريًا متكاملًا، وليس مجرد قيادة تنظيم سياسي، إن استمرار الجدل حول شخصه بعد أكثر من ربع قرن من الاعتقال يعكس أن دوره لم يتحول إلى مجرد صفحة من التاريخ، بل ما زال عنصرًا مؤثرًا في النقاشات السياسية المتعلقة بالقضية الكردية ومستقبل المنطقة. لقد نجح المناضل عبد الله أوجلان في أن يكون أحد أكثر الشخصيات الكردية تأثيرًا في العصر الحديث، سواء من خلال تطوير خطاب سياسي جديد، أو من خلال تأثيره في الحركات الكردية، أو عبر انعكاسات مشروعه على توازنات الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، يبقى إرثه محل نقاش واسع، إذ يراه مؤيدوه صاحب مشروع ديمقراطي متجدد، بينما يرى منتقدوه أن تجربته السياسية والتنظيمية تستحق مراجعةً ونقدًا في عدد من الجوانب. لكن؛ بعيدًا عن الاصطفافات السياسية، يصعب إنكار حقيقة أساسية: إن المناضل عبد الله أوجلان ترك بصمة عميقة في تاريخ الكرد الحديث، وإن أي محاولة لفهم تطورات القضية الكردية وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ستظل بحاجةٍ إلى دراسة تأثيره الفكري والسياسي بجدية وموضوعية.
No Result
View All Result