جل آغا/ أمل محمد – تُعد الشهيدة زيلان “زينب كناجي”، من أبرز الشخصيات النسائية، التي تركت أثراً عميقاً في تاريخ الحركة الكردية، فقد تحولت إلى رمزٍ للنضال والتضحية، ولا يزال اسمها حاضراً في الذاكرة الكردية بوصفه عنواناً للإرادة والإيمان بالقضية.
وُلدت زينب كناجي عام 1972 في قرية ألمالي التابعة لمدينة ملاطيا في باكور كردستان، ونشأت في بيئة اجتماعية شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة، منذ طفولتها عُرفت بالهدوء والجدية والاهتمام بالمعرفة، كما أظهرت شخصية قوية وقدرة على تحمل المسؤولية. درست علم النفس في جامعة إينونو، وبسبب ضيق الأحوال المادية لعائلتها عملت في قسم التصوير والأشعة في المشفى الوطني للمدينة قبل انضمامها إلى الحركة التي آمنت بها أكثر بعد مشاركتها في فعاليات الجبهة في مدينة أضنة عام 1994، وبقيت ضمنها لمدة عام.
بعد تخرجها تزوجت من زميل الدراسة محمد علي أطلي، وجاء انضمامها للحركة عام 1995، فقد آمنت بفكرة أن كل بلد محتل يجب أن يتحرر ورأت أن كردستان يخضع لاحتلال ولا بد من تحريرها وشعبها الذي يعاني من الظلم والاضطهاد، وتعرفت أكثر على مفهوم ونظام حركة التحرر الكردستانية وأهدافها بسبب بحثها الدائم عن جهة تتبنى فكرها الثوري، كما أن اهتمامها وميولها لنصرة القضية الكردية اكتسبته من فكر وميول عائلتها التي دعمت الحراك الكردي.
ومع مرور الوقت ازداد ارتباطها الفكري والتنظيمي بالحركة، حيث اقتنعت بأن التغيير يحتاج إلى عمل منظم وإرادة جماعية قادرة على مواجهة التحديات لذلك قررت الانضمام إلى صفوف حزب العمال الكردستاني، واضعةً إمكاناتها الفكرية والشخصية في خدمة القضية التي آمنت بها.
النضال العسكري والسياسي
بعد انضمامها للحركة، شاركت الشهيدة زيلان في العديد من الأنشطة التنظيمية والسياسية، وأسهمت في نشر الأفكار التي تؤمن بها بين فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب والنساء، وقد تميزت بقدرتها على الحوار والإقناع، إضافةً إلى التزامها العالي بالعمل التنظيمي.
ومع تطور تجربتها النضالية، انتقلت إلى المجال العسكري ضمن صفوف الحركة، حيث خضعت للتدريب وتلقت التأهيل اللازم، وعُرفت بين رفاقها بالانضباط والشجاعة والإصرار، وكانت تؤكد أن النضال لا يقتصر على حمل السلاح فحسب، بل يشمل بناء الوعي وتعزيز روح المقاومة والإيمان بالحرية.
تأثرها بفكر القائد عبد الله أوجلان
شكّل فكر القائد عبد الله أوجلان محطة أساسية في حياة الشهيدة زيلان الفكرية والسياسية، فقد وجدت في أطروحاته المتعلقة بحرية المرأة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية رؤية متكاملة لمعالجة قضايا المجتمع.
ورأت الشهيدة زيلان أن تحرير المجتمع يبدأ من تحرير المرأة، وأن المرأة قادرة على لعب دور ريادي في بناء مستقبل أكثر عدالة ومساواة، لذلك كانت من الشخصيات التي تأثرت بشكل واضح بالأفكار التي تدعو إلى كسر القيود المفروضة على المرأة وتعزيز دورها في مختلف مجالات الحياة. كما انعكس هذا التأثر في كتاباتها ورسائلها التي أكدت فيها أهمية الإرادة الحرة والوعي والتنظيم، وضرورة أن يكون الإنسان صاحب قرار وقادراً على الدفاع عن قيمه ومبادئه.
رسالتها وثيقة عكست رؤيتها لمسار النضال الكردي
تشكل رسالة الشهيدة زيلان وثيقة فكرية وسياسية تعكس رؤيتها لمسار النضال الكردي، إذ ركزت بصورة واسعة على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، معتبرةً أن أفكاره أسهمت بحسب ما جاء في رسالتها، في إحداث تحول عميق في وعي الشعب الكردي، ومنحته الثقة والإرادة للخروج من حالة الإنكار والتهميش، والدفاع عن حقوقه القومية والسياسية والثقافية، وترى أن هذا الفكر لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل طرح مشروعاً يهدف إلى بناء مجتمع يقوم على الحرية والعدالة والمشاركة الشعبية، ويمنح الأفراد القدرة على استعادة هويتهم وإرادتهم.
وفي جانب آخر، أولت الرسالة أهمية كبيرة لدور المرأة، حيث اعتبرت أن قضية المرأة تمثل إحدى الركائز الأساسية في أي مشروع للتحرر، مؤكدةً أن المرأة ليست طرفاً ثانوياً في المجتمع، وإنما شريك رئيسي في صناعة التغيير، وترى أن تحرر المجتمع لا يمكن أن يتحقق دون تحرر المرأة من مختلف أشكال التبعية والتمييز، داعيةً النساء إلى الانخراط في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وتحمل مسؤولياتهن في بناء مجتمع أكثر حرية ومساواة.
كما تضمنت الرسالة خطاباً مباشراً إلى الشعب الكردي، ناشدت فيه أبناءه التمسك بهويتهم الوطنية وعدم التخلي عن إرادتهم، داعيةً إلى مواصلة النضال من أجل الحرية والكرامة، وعدم القبول بسياسات الإنكار والإقصاء، وتؤكد وفق ما ورد في الرسالة، أن الشعوب قادرة على تغيير واقعها عندما تتمسك بحقوقها وتوحد صفوفها، وأن الإرادة الجماعية تمثل القوة الحقيقية لتحقيق التغيير.
وتناولت الشهيدة زيلان كذلك دور حزب العمال الكردستاني، معتبرةً أنه لعب وفق رؤيتها، دوراً محورياً في إعادة إحياء الروح النضالية لدى الكرد، وتعزيز ثقتهم بقدرتهم على المطالبة بحقوقهم والدفاع عن وجودهم وهويتهم، وتشير في رسالتها إلى أن الحزب أسهم في ترسيخ مفهوم الإرادة الحرة والمقاومة، وأصبح أحد أبرز العوامل التي دفعت شرائح واسعة من المجتمع الكردي إلى الانخراط في النضال السياسي والاجتماعي، مؤكدة أن استمرار هذا النهج يمثل ضرورة للحفاظ على المكتسبات ومواصلة السعي نحو تحقيق الحرية والحقوق التي تطمح إليها الحركة الكردية.
الشهادة والتحول لرمز ثوري
في الثلاثين من حزيران عام 1996، نفذت الشهيدة زيلان عملية فدائية داخل مركز لجيش الاحتلال التركي في مدينة ديرسم بباكور (شمال كردستان) أثناء مراسم رفع العلم التركي، لتستشهد خلال العملية، وبعد استشهادها تحولت إلى إحدى أبرز الرموز النسائية في الحركة الكردية، حيث اعتُبرت مثالاً للتضحية والإصرار على التمسك بالمبادئ التي آمنت بها.
وقد تركت وراءها رسائل ومواقف ما زالت تُستذكر حتى اليوم، لما حملته من أفكار حول الحرية والإرادة والنضال، وتحول اسمها إلى رمز تتناقله الأجيال بوصفه جزءً من تاريخ الحركة الكردية ومسيرتها.
لا تزال الشهيدة زيلان حاضرة في ذاكرة كرد، بسبب مسيرتها الفكرية والنضالية وما مثلته من نموذج للمرأة التي جمعت بين الوعي السياسي والإرادة القوية والاستعداد للتضحية من أجل ما تؤمن به.
وبعد سنوات طويلة على استشهادها، ما زال اسمها يُذكر في الفعاليات والأنشطة الثقافية والسياسية، بوصفها إحدى الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في تاريخ النضال الكردي، ورمزاً للإيمان بالقضية والثبات على المبادئ حتى اللحظات الأخيرة من حياتها.