No Result
View All Result
ضياء إسكندر
لم يخطر ببالي يوماً أن أجد نفسي غارقاً في نقاشاتٍ عقيمة، أو أن أُضطر لتسطير المقالات دفاعاً عن بديهياتٍ ظننتها مستقرة في وجدان الناس وفطرتهم، لا تحتاج إلى برهانٍ ولا إلى تذكير. لم أتخيّل أن يأتي زمن في وطني، سوريا، نعود فيه إلى مناقشة ما كان يُفترض أن يبقى خارج دائرة الخلاف، وأن نُجهد أنفسنا في شرح أمورٍ بدت لنا يوماً من المسلّمات الإنسانية الراسخة.
أكتب اليوم وأنا مثقلٌ بخيبةٍ تشبه الحزن الوطني العام. فكيف وصل بنا الحال إلى أن تصبح الهوية سبباً للريبة، وأن يتحول الاختلاف في الأصل أو الدين أو القومية إلى مبررٍ للتصنيف والإقصاء؟
ليس في وسع أي إنسان أن يختار قوميته أو دين أسرته أو بيئته الأولى. يولد المرء محمولاً إلى العالم بهذه الانتماءات كما يولد بملامحه ولون بشرته، أما ما يصنع فرادته الحقيقية فهو ما يقدمه للناس من خير، وما يتركه من أثر، وما تعكسه أفعاله من عدالةٍ وإنسانية.
لهذا يبدو مؤلماً أن نضطر إلى تكرار حقيقةٍ بسيطة مفادها أن المواطن، أيّاً كان اسمه أو أصله أو معتقده، يُعامل كغيره في الحقوق، ويُسأل كغيره في الواجبات، والأشد إيلاماً أن يتحول هذا الكلام إلى موضع أخذٍ ورد، وكأنه رأيٌ قابلٌ للتفاوض لا قاعدةٌ من قواعد العيش المشترك.
غير أن ما يضاعف المرارة هو ما نكتشفه أحياناً لدى بعض الذين ظننا أنهم تجاوزوا هذه الانقسامات. فالأزمات الكبرى تملك قدرةً استثنائية على تعرية الشعارات واختبار صدقيتها. عندها تسقط الأقنعة عن بعض الأصوات التي طالما تحدثت باسم التنوير والعقلانية، فإذا بها تعود إلى خنادق الانتماء الضيق، وتنظر إلى البشر من خلال الهويات التي كانت تزعم رفضها.
ولعلّ هذه الظاهرة ليست سوى وجهٍ آخر لمشكلةٍ أعمق: الميل إلى الوصاية على الإنسان، فعندما يقتنع طرفٌ ما بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، يصبح من السهل أن يمنح نفسه حقّ تصنيف الآخرين والحكم عليهم، ثم التحدث باسمهم أو اتخاذ القرارات نيابةً عنهم.
ومن هنا يمكن فهم ما نراه اليوم من سلطاتٍ دينية أو اجتماعية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، تراقب العلاقات والسلوك، وتسعى إلى فرض نموذجٍ واحد للحياة، وكأن التنوع البشري خطأٌ ينبغي تصحيحه لا حقيقةً ينبغي احترامها.
وما هذه الوصاية إلا امتدادٌ لثقافةٍ ترعرعت طويلاً في ظل الاستبداد؛ ثقافةٍ اعتادت إخضاع الإنسان والتضييق على خياراته الحرة. وحين تتراجع قبضة السلطة في صورةٍ من صورها، لا يختفي هذا الميل بالضرورة، بل يعاود الظهور بأقنعةٍ جديدة وأسماءٍ مختلفة، محتفظاً بالجوهر نفسه: الخوف من الحرية، والارتياب من الاختلاف.
فالفضيلة التي تنمو في مناخ الخوف تظل هشّة. والالتزام الذي يولده الإكراه يبقى أقرب إلى الامتثال منه إلى القناعة. أما القيم الراسخة فتتشكل عبر التربية والوعي والمسؤولية الحرة، وتستمد قوتها من اقتناع الإنسان بها، لا من خشيته للعقاب.
ولكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه المرحلة، لا بد من النظر إلى السياق السياسي والاجتماعي الذي تشكلت فيه سوريا خلال العقود الماضية، فقد ورث السوريون دولةً أنهكها الاستبداد، وأفرغ مؤسساتها من دورها الطبيعي، وضيّق الخناق على السياسة والحياة المدنية والنقاش العام، حتى بات المواطن يلجأ إلى هويته الفرعية، لا تعبيراً عن تعصبٍ أصيل، وإنما بحثاً عن ملاذٍ يقيه هشاشة الواقع وغياب الدولة الحامية.
ومع مرور الزمن، تراجعت المساحات التي تسمح للمجتمع بإدارة اختلافاته بصورةٍ صحية، وتآكلت الثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تحمي الجميع على قدم المساواة. وفي ظل الفساد والفقر والخوف وغياب المساءلة، أخذت الهويات الفرعية تتقدم إلى الواجهة بحثاً عن دورٍ ومعنى وطمأنينة. وحين يضعف حضور المواطنة، تصبح الانتماءات الضيقة أكثر قدرةً على اجتذاب الناس، وحين يُخنق الحوار الحر، تتقدم الأصوات الواثقة من امتلاك الحقيقة، وتُعامل آراؤها كما لو كانت حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
لهذا لا تبدو النزعات الإقصائية التي نشهدها اليوم ظواهر منفصلة عن تاريخها، وإنما امتدادٌ لمسارٍ طويل من تآكل المجال العام وتراجع فكرة المواطن بوصفه القيمة العليا في الدولة والمجتمع. كم تغيّرت هذه الأرض التي أحببناها حتى النخاع! وكم تنكّرت لنا الأيام حتى أصبحنا نراجع ما كنّا نظنه خطاً أحمر لا يُمسّ، وندافع عن مبادئ كان يُفترض أن تكون موضع إجماعٍ لا موضع خصومة.
ومع ذلك، ما زالت في هذه البلاد طاقات عصيّة على الانكسار، وما زال بين أبنائها من يتمسك بفكرة الوطن الذي يتسع للجميع، ومن يؤمن بأن العدالة لا تُجزّأ، وأن الكرامة لا تُقاس بالهوية، وأن الحرية حقٌّ إنساني لا يملك أحدٌ حقّ منحه أو مصادرته.
سيأتي يومٌ نعيد فيه للوطن اسمه، اسماً ينبع من الإنسان ويعبّر عنه. يومٌ تتسع فيه الأرض للجميع، وتستعيد العدالة مكانتها، وتغدو الكرامة جزءاً طبيعياً من حياة الناس، وتستقر الحرية في تفاصيل أيامهم بعد أن طال انتظارها.
فأخطر ما يصيب الأوطان ليس اختلاف أبنائها حول القضايا الكبرى، وإنما أن تضطر أجيالها إلى الدفاع عن أبسط الحقائق الإنسانية، وكأنها أفكارٌ طارئة لم تختبرها البشرية من قبل.
No Result
View All Result