No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
الثاني والعشرون من نيسان كل عام، يحتفل فيه الكرد في أجزاء كردستان الأربعة وفي الشتات بـ”يوم الصحافة الكردية” وذلك؛ لأنه هذا التاريخ من عام 1898 هو يوم صدور أول صحيفة كردية في التاريخ تحت اسم “كردستان” في العاصمة المصرية القاهرة على يد الأمير البدرخاني مقداد مدحت بدرخان المنحدر من سلالة الأمير بدرخان بك أزيزان أمير جزيرة بوطان الكردية وقائد ثورتها 1847. لم يكن صدور الصحيفة حدثاً إعلامياً عادياً أو عابراً، بل نقطة تحول تاريخية في الوعي القومي الكردي، وانطلاق خط مقاومة سياسات طمس الهوية الثقافية والسياسية لشعبنا الذي مارستها الدولة العثمانية ومن بعدها الدول اللاحقة، هذا اليوم مناسبة وطنية لاستذكار تضحيات الرواد، وتقييم واقع الإعلام الكردي المعاصر، وطرح رؤى مستقبلية حول دوره في مواجهة التحديات الراهنة. هذا العام 2026، يأتي الاحتفال بيوم الصحافة الكردية وسط تحولات إقليمية معقدة تشمل توترات في سوريا وإيران وتركيا، مما يجعله فرصة مناسبة للتأمل العميق في مسيرة 128 عاماً من النضال الإعلامي.
لماذا القاهرة وليس مدينة كردية؟
قد يبدو غريباً أن تصدر أول صحيفة كردية في القاهرة بدلاً من آمد، هولير، مهاباد، قامشلو، أو أية مدينة كردية أخرى. لكن؛ هذا الاختيار كان نتيجة ظروف تاريخية وسياسية معقّدة لعل أبرزها:
أولاً ـ القمع الذي كانت تمارسه الدولة العثمانية في المناطق الكردية، حيث كانت قد فرضت رقابة صارمة على الصحافة، خاصة تلك التي يشتم منها الطابع القومي. لم يكن بالإمكان إصدار صحيفة كردية داخل كردستان.
ثانياً ـ القاهرة كانت تتمتع وقتها بنوع من الحرية النسبية كونها بعيدة عن مركز الدولة العثمانية. لذا؛ كانت القاهرة مركز ثقافي وإعلامي مهم ومتميز في الشرق الأوسط. كما أنها كانت تتمتع بهامش أكبر من حرية النشر مقارنة بإسطنبول أو المناطق الكردية. لذلك؛ لجأ المثقفون الكرد مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة إليها لإيصال صوتهم.
ثالثاً ـ وجود النخب الكردية في المنفى بعد الثورات والانتفاضات الكردية كان العديد من المثقفين والسياسيين الكرد يعيشون في المنفى، منهم من هاجر بنفسه، ومنهم من هُجّر قسراً. الأمير مقداد مدحت بدرخان، كان قد وجد في القاهرة التي تتوفر فيها المطابع الحديثة والخبرة الصحفية، أي البيئة المناسبة لإطلاق مشروعه الصحفي.
صدور العدد الأول من صحيفة كردستان
صدر العدد الأول من أول صحيفة كردية في القاهرة يوم 22 نيسان 1898 تحت حكم الخديوي المصري عباس حلمي الثاني. كانت الصحيفة نصف شهرية، يتم طباعتها عبر مطابع دار الهلال المصرية. اللغة التي صدرت بها هي الكردية “الكرمانجية” بالأحرف العربية إلى جانب بعض النصوص بالعربية والتركية. صدر منها في القاهرة 31 عدداً حتى العام 1902، لكن نتيجة التهديدات والملاحقات الأمنية، تنقلت طباعتها بين لندن، جنيف، وفولكستون في جورجيا. لم تكن “كردستان” مجرد صحيفة خبرية؛ بل كانت سلاحاً ثقافياً وسياسياً مهماً، يهدف إلى تنوير الشعب الكردي، نشر الوعي القومي، الدفاع عن الحقوق، وكشف الظلم العثماني. أُرسلت آلاف النسخ منها سراً إلى كردستان عبر سوريا رغم الصعوبات اللوجستية والرقابة وتم توزيعها ونشرها.
الصعوبات والتحديات التاريخية للصحافة الكردية
واجهت الصحافة الكردية منذ نشأتها سلسلة من التحديات التي أثّرت في مسارها. بينما يعاني الصحفيون من ضغوط اقتصادية، تهديدات أمنية، خاصة أثناء تغطية الاحتجاجات أو قضايا الفساد. يمكننا ايجاز الصعوبات والتحديات التي تواجهها الصحافة الكردية بما يلي:
– الرقابة والقمع السياسي: تعرضت الصحف الكردية للحظر والإغلاق في عدة دول، وتمت ملاحقة الصحفيين وسجنهم بسبب آرائهم.
– غياب الاستقرار السياسي: الانقسامات الجغرافية للكرد بين عدة دول (تركيا، العراق، إيران، سوريا) أدت إلى بيئات قانونية مختلفة، غالباً ما كانت معادية للإعلام الكردي.
– ضعف الموارد المالية: الكثير من المؤسسات الإعلامية الكردية كانت تعمل بإمكانات محدودة، مما أثّر على استمراريتها وجودة إنتاجها.
– المخاطر الأمنية: تعرّض الصحفيون الكرد للتهديد والاغتيال في مناطق النزاع، ما جعل العمل الصحفي محفوفًا بالمخاطر.
وضع الصحافة الكردية اليوم
شهدت الصحافة الكردية في العقود الأخيرة تحولات كبيرة، خاصة مع التطور التكنولوجي، حيث تنوعت وسائل الإعلام ولم تعد تقتصر على الصحافة الورقية، بل تعدتها إلى القنوات الفضائية، المواقع الالكترونية، ومنصات التواصل الافتراضي. ظهرت أول فضائية كردية MED TV، في المنفى أيضاً، حيث بدأت بث برامجها في شهر أيار عام 1994 من العاصمة البلجيكية بروكسل. اليوم هناك العشرات من القنوات الفضائية على أرض الوطن وفي مختلف الأجزاء. أما بالنسبة للصحافة، فهي تشهد حضوراً قوياً ومتابعة من جانب جماهير الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة من كردستان (باكور، روجهلات، باشور، روج آفا). الصحافة الرقمية الآن في تطور متسارع من جانب الصحفيين الكرد، وهناك اهتمام واسع بالفضاء الرقمي خاصة منصات مثل (X تويتر سابقاً، تيليجرام، واتس آب، تيك توك، فيسبوك وغيرها).
مهام الصحافة الكردية في المرحلة الراهنة
في ظل التحديات والفرص الحالية، يقع على عاتق الصحافة الكردية مجموعة من المهام الأساسية التي يمكننا أن نوجزها بما يلي:
– الدفاع عن حرية التعبير: من خلال الاستمرار في المطالبة بحقوق الصحفيين وحماية حرية الصحافة والإعلام بشكل عام.
– تعزيز الهوية الثقافية: عبر نشر اللغة الكردية، الأدب، التراث، التاريخ، والحفاظ على التنوع الثقافي.
– نقل الحقيقة بموضوعية: أي الابتعاد عن التسيس، ونقل الأخبار، الوقائع والاحداث بحيادية من خلال الالتزام بالمعايير المهنية.
– توثيق الانتهاكات: رصد وتوثيق الانتهاكات المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان، وإيصالها إلى المجتمع الدولي.
– تطوير الإعلام الرقمي: مواكبة التطورات التكنولوجية، والاستفادة من أدوات الإعلام الجديد للوصول إلى جمهور أوسع.
قرن من النضال والكلمة الحرة
تحتل المرأة الكردية مكانة بارزة في تاريخ الصحافة الكردية، حيث ساهمت كرائدة ومناضلة. تعرضت إلى الاضطهاد السياسي ضد هويتها الكردية، إلى جانب تعرضها للتمييز الاجتماعي التقليدي لأنها المرأة في مجتمع ذكوري. منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات الصحافة الكردية، أصبحت النساء صوتاً للتنوير والمساواة، واستمر هذا الدور حتى اليوم رغم التحديات الأمنية والحزبية والاجتماعية. البدايات التاريخية والريادة المبكرة لعمل المرأة الكردية في عالم الصحافة تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي. في مجلة “هاوار” التي أصدرها الأمير جلادت عالي بدرخان في دمشق عام 1932، نشرت الأميرة روشن بدرخان زوجة الأمير أول مقال نسائي باللغة الكردية والأبجدية اللاتينية عام 1933، كما أنها عملت كاتبة ومحررة مسؤولة، وساهمت بشكل كبير في كتابة المقالات التعليمية والأدبية. بالإضافة إلى الأميرة روشن، فقد كانت الأميرة مزيت بدرخان ابنة الأمير أمين علي بدرخان، وشقيقة الأمير جلادت، من بين الكاتبات اللواتي ساهمن في إثراء المحتوى الفكري والنهضوي للمرأة في تلك الحقبة.
الإعلام النسوي المعاصر والمؤسسات الرائدة
شهدت العقود الأخيرة ازدهار الإعلام النسوي، حيث تم تأسيس أول وكالة أنباء كردية خاصة بالمرأة بالكامل عام 2012 وهي وكالة JINHA. فكافة الكادر العامل في الوكالة هن من النساء. يقمن بتسليط الضوء على كافة الأخبار المتعلقة بالمرأة من منظور نسوي. بعد ذلك؛ تم تأسيس وكالة أخرى متخصصة بشأن المرأة في باكور كردستان وهيJin News التي قدمت نموذجاً جديداً ومبتكراً في الصحافة النسوية. لكنها؛ تعرضت إلى الكثير من المضايقات والإغلاقات المتكررة بسبب الرقابة اللصيقة التي فرضتها السلطات التركية عليها. إضافة إلى عمل عشرات الصحفيات في باشور كردستان فتعمل عشرات الصحفيات في قنوات تلفزيونية متعددة مثل (روداو، قنال 8، كردستان 24، Ava، كردسات، وغيرها). أما في روج آفا فقد أصبحت المرأة جزء أساسي ورئيسي من الإعلام الثوري خاصة مع افتتاح كلية علم المرأة “جينولوجيا”. ولعبت المرأة دوراً رئيسياً في الصحافة سواء من خلال القنوات التلفزيونية (روناهي، روج آفا، جرا، ستيرك) أو عبر وكالات الأنباء مثل وكالة هاوار ـ وكالة فرات، روج نيوز وغيرها.
التحديات الرئيسية التي تواجها الصحفيات الكرديات
ما تزال توجه الصحفيات الكرديات تحديات كبيرة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول سياسي من خلال الاعتقالات الجماعية التي تتعرض له الصحفيات في باكور كردستان وتركيا بالإضافة إلى إغلاق المؤسسات الإعلامية، بينما في روجهلات كردستان وإيران هناك دوماً حظر شبه كامل مع إعدام العديد من الصحفيات.
ـ القسم الثاني يتمثل في التميز الاجتماعي والحزبي ويبرز كثيراً في إقليم كردستان، حيث يتم استخدام النساء كـ “وجوه جميلة” في تقديم البرامج والنشرات الإخبارية دون مناصب قيادية حقيقية. إلى جانب تعرضهن للتحرش، التنمر، العنف الرقمي، والنقص في التمثيل الإداري.
القسم الثالث الاغتيالات، ويتم استهداف صوت المرأة الحرة بشكل منهج. هناك أمثلة كثيرة على هذا الأمر منها على سبيل الذكر وليس الحصر: الشهيدة غربت أرسوز (استشهدت عام 1997)، من أوائل الصحفيات اللواتي طورن الصحافة الحرة. والشهيدة ناكيهان أكارسال (اغتيلت عام 2022 أمام منزلها في السليمانية)، رئيسة تحرير مجلة “جنيولوجي” النسوية وناشطة أكاديمية. الشهيدة دليلا أغيت (أصيبت بطائرة مسيرة تركية عام 2023 أثناء عملها في روج آفا). الشهيدتان كلستان تارا وهيرو بهاء الدين (استشهدتا عام 2024 في هجوم لمسيرة تركية). لكن؛ رغم ذلك، أثبتت النساء قدرتهن على الابتكار عبر الإعلام الرقمي لكسر الحصار.
الإنجازات والمطلوب اليوم
ساهمت الصحفيات في رفع الوعي بقضايا المرأة مثل العنف الأسري، التعليم، المشاركة السياسية، وتوثيق الانتهاكات عبر أجزاء كردستان الأربعة، بالإضافة إلى بناء إعلام مستقل يتجاوز الدعاية الحزبية. المطلوب اليوم بالنسبة للصحفيات الكرديات هو:
ـ تمويل مستقل ورفع نسبة النساء في المناصب القيادية.
ـ برامج تدريبية في الصحافة الاستقصائية والرقمية، مع قوانين حماية من العنف.
ـ تخصيص مساحات أكبر لقضايا المرأة، وبناء منصات مشتركة عبر الأجزاء الأربعة.
ـ ممارسة ضغوط دولية كبيرة من أجل منع الاغتيالات والاعتقالات.
ما المطلوب من الصحافة الكردية بشكل عام اليوم..؟!
المطلوب اليوم هو صحافة مهنية، مستقلة، جريئة، ومسؤولة تكون قادرة على توثيق التاريخ، كشف الحقائق، بناء الوعي، وصناعة المستقبل. في عصر السرعة الرقمية والاستقطاب السياسي، يجب على الصحافة الكردية أن تنتقل من دور “النضال التقليدي” إلى دور “المهنية المستقلة والمسؤولة”. ومن أجل تحقيق هذا الانتقال، يجب عليها القيام بعدة أمور أساسية وهي:
ـ تعزيز الاستقلال عن الأحزاب والسلطات: يحتاج الإعلام الكردي إلى نماذج تمويل مستقلة تعتمد على الاشتراكات، الدعم الدولي غير المشروط، والمشاريع الاجتماعية، لتجنب التبعية التي تشوه الصورة الوطنية وتقلل من المصداقية.
ـ رفع مستوى المهنية والتدريب: من خلال برامج تدريبية مكثفة في الصحافة الاستقصائية، التحقق من الحقائق، الإعلام الرقمي، والتغطية البيئية والاقتصادية وحقوق المرأة والشباب. يجب أن تكون الصحافة الكردية قادرة على منافسة الإعلام العالمي، لا الاكتفاء بالقضايا السياسية التقليدية.
ـ بناء جسور التوحيد دون فقدان التنوع: على الرغم من الاختلافات السياسية بين الأجزاء الأربعة والشتات، يمكن للصحافة أن تلعب دوراً محورياً في إنشاء منصات رقمية مشتركة تركز على الثقافة المشتركة، اللغة، والمصالح الوطنية العليا.
ـ حماية الصحفيين وتعزيز حرية التعبير: وهذا الأمر يتطلب سن قوانين واضحة في إقليم كردستان تحمي الصحافة، وممارسة ضغط دولي على تركيا وسوريا وإيران. كما يجب دعم الصحفيات ومكافحة العنف الرقمي والتمييز الجنسي.
ـ التوجه نحو الجمهور العالمي والعربي: يحتاج الإعلام الكردي إلى إنتاج محتوى متعدد اللغات (عربي، إنجليزي، تركي، فارسي) لكسر الحصار الإعلامي، وتقديم القضية الكردية كقضية سلام وحقوق إنسان وديمقراطية، لا كتهديد أمني. في ظل التحولات الإقليمية لعام 2026، يصبح دور الصحافة أكثر أهمية في توثيق الحقائق ومنع التضليل.
الصحافة الكردية؛ ورغم الإمكانات القليلة والصعوبات والتحديات الكبيرة، إلا إنها استطاعت أن تُثبت أقدامها. انطلاقاً من صحيفة “كردستان” الأولى التي انطلقت من المنفى لتنير الظلام المخيم على سائر أرجاء الوطن المحتل والمقسّم، وصولاً إلى الإعلام الرقمي اليوم الذي يوجه المسيرات والدعاوى القضائية والضغوط السياسية، فبقيت الكلمة الكردية حرة، ضمانة للمستقبل، ورمز للمقاومة والصمود.
دور المرأة في الصحافة الكردية لم يكن مجرد إضافة، بل جوهر النضال من أجل كردستان حرة وديمقراطية. من روشن بدرخان إلى ناكيهان أكارسال وغربت أرسوز، دفعت النساء ثمناً باهظاً ليبقى الصوت حراً. إن استطاعت الصحافة الكردية أن تتحرر من القيود الحزبية والأمنية، وتتبنى أدوات العصر الرقمي مع الحفاظ على جذورها الثقافية والأخلاقية، فإنها ستكون قادرة على خدمة شعبها بأفضل صورة. 128 عاماً من النضال تؤكد أن الكلمة أقوى من الرصاص، وأن حرية الصحافة هي الضمانة الأولى لحرية الأمة وتقدمها. فليبقَ 22 نيسان شعلة تضيء الطريق نحو كردستان ديمقراطية، موحدة، وحرة.
No Result
View All Result