No Result
View All Result
أحمد شيخو
يطرح بيان وفد إمرالي رؤية فلسفية وسياسية جديدة تتجاوز الدولة القومية نحو “الأمة الديمقراطية”، داعياً لحلٍّ سلمي تاريخي يُعيد تشكيل التوازن الإقليمي عبر الاندماج الديمقراطي وإنهاء الصراع الكردي.
يأتي البيان الصادر عن وفد “إمرالي” التابع لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî) في الحادي والثلاثين من آذار 2026، ليمثل لحظة فارقة في الفكر السياسي المعاصر للشرق الأوسط. إنّ هذا النص، الذي ينقل جوهر رؤية القائد عبد الله أوجلان للمرحلة الراهنة، لا ينبغي أن يُقرأ كبيانٍ حزبي أو إجرائي فحسب، بل هو “مانيفستو” فلسفي يسعى لتفكيك الانسداد التاريخي في القضية الكردية، وإعادة صياغة مفهوم الدولة والاجتماع السياسي في الجغرافيا الممتدة بين الأناضول وميزوبوتاميا. إنه دعوة لتجاوز مأزق “الدولة القومية” الأحادية الصلبة نحو “الأمة الديمقراطية” المرنة التشاركية التي تستوعب التنوع الإثني والديني والثقافي والتاريخي للمنطقة.
استعادة “قادش” ـ السلام كفلسفة توازن تاريخي
يحتل الاستشهاد بمعاهدة “قادش” (1259 ق.م) بين الحثيين والمصريين مركز الثقل في هذا الخطاب. هذا الاستدعاء لحدثٍ وقع قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ليس مجرد ترفٍ فكري أو ولعٍ بالتاريخ القديم، بل هو توظيف ذكي لنموذج “السلام الندّي” في مواجهة عقلية “الإبادة” أو “الإخضاع” التي هيمنت على سياسات الحداثة الرأسمالية وأدواتها من الدول القومية في المنطقة.
الربط الجيوسياسي: من قادش إلى أمن ميزوبوتاميا والأناضول. إن استحضار “قادش” يتجاوز دلالة المعاهدة التاريخية بين إمبراطوريتين قديمتين؛ إنه استدعاء لوعي جيوسياسي عميق يدرك إن الأمن الإقليمي ليس محصلةً صفرية، بل هو منظومةً متكاملة تترابط فيها أقدار الشعوب، ففي هذه الجغرافيا التي تتقاطع فيها ميزوبوتاميا (مهد الحضارات) مع الأناضول (جسر القارات)، يتضح أن استقرار الكيان التركي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التوافق مع الشعب الكردي، فالأمن القومي التركي، في جوهره، يمتد جذرياً نحو العمق الميزوبوتامي، وأي محاولة لقطع هذا الشريان تؤدي إلى نزيفٍ مستمر يستنزف طاقات الجميع.
تماماً كما كانت المعاهدات المصرية – الحيثية ضرورة لضبط توازنات الشرق القديم وحماية طرق التجارة والتفاعل الإنساني، فإن “قادش المعاصرة” التي يطرحها القائد عبد الله أوجلان تمثل رؤية إقليمية ترى في الاندماج الديمقراطي للكرد داخل الدولة التركية صمام أمانٍ ليس فقط لتركيا، بل للمنطقة بأسرها بما فيها مصر وإيران وسوريا والعراق وغيرها. إن هذا الربط يعني أن أي تسوية تاريخية في هذا المجال ستعيد تعريف الشرق الأوسط ككتلةٍ إقليمية متماسكة قادرة على حماية سيادتها الجماعية في وجه التدخّلات الخارجية، محولةً الحدود التي كانت يوماً نقاط صراع وجراحاً مفتوحة إلى جسور للتبادل الديمقراطي والازدهار المشترك.
تفكيك “الثوب الضيّق” ونقد الجمهورية الوضعية
يمارس البيان نقداً رصيناً لما يُسمى بـ “العقلية الوضعية” (Positivism) التي هيمنت على مسار الدولة القومية في تركيا والشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين، هذه العقلية التي حاولت هندسة المجتمع وصهر الهويات المتعددة في قالب أحادي “دولة واحدة، لغة واحدة، هوية واحدة”، يصفها القائد عبد الله أوجلان بـ “الثوب الضيق” الذي لم يعد يتسع لجسد المجتمع المتعدد الثقافات والأعراق.
ومن منظورٍ سوسيولوجي، أدّت سياسات الصهر القسري هذه إلى اغتراب الهويات الأصيلة (كالكردية وغيرها) داخل وطنها. لم تعد الدولة “أمًّا” للجميع، بل أصبحت “مهندساً” يحاول بتر الأطراف لتناسب المقاس المفروض سلفاً. وهنا يطرح البيان مفهوم “الجمهورية الديمقراطية” كبديلٍ بنيوي: الجمهورية كإطار قانوني: لا يرفض الكرد الجمهورية ككيان سياسي أو كإطار للدولة، بل يرفضون “عدم ديمقراطيتها” واستبداد الأدوات والأجهزة والنخبة البيروقراطية المركزية باسمها.
الديمقراطية كمحتوى قيمي: هي الأداة الوحيدة التي تحوّل الجمهورية من “أداة قمع وهندسة اجتماعية” إلى “مساحة عيش مشترك”. إن الاعتراف بالهوية الكردية ليس اعتداءً على وحدة الدولة، بل هو تصحيح لمسارٍ تاريخي خاطئ يهدف إلى تقوية بنية الجمهورية وجعلها “أقوى بمرتين”؛ مرةً بقوة القانون، ومرةً بقوة الانتماء الطوعي الناجم عن الاعتراف والاحترام المتبادل.
جيوسياسية “الخط الثالث” في خضم العواصف الإقليمية
يحلل البيان ببراعةٍ خارطة القوى المتصارعة في المنطقة، خاصةً مع دخول عام 2026 بمنعطفاتٍ حادة في الملفات الإيرانية والسوريّة والعراقية، وتصاعد حدّة التنافس على ممرات الطاقة والسيادة الإقليمية في الشرق الأوسط. ويقسّم المشهد إلى ثلاثة خطوطٍ استراتيجية تتصارع على مستقبل المنطقة:
1- خط الهيمنة الدولية: الذي يسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ وفق مصالح القوى العظمى والشركات العابرة للقارات، وغالباً ما يستخدم قضايا الشعوب كأوراق ضغط تكتيكية في صراعاته الكبرى، دون تقديم حلول جذرية لمشاكلها الوجودية.
2- خط الوضع الراهن (الاستاتيكو): الذي يصرُّ على الحفاظ على هياكل الدولة القومية المركزية المتآكلة، رافضاً أي تغيير ديمقراطي حقيقي خوفاً من فقدان السيطرة، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تعميق الأزمات الداخلية وانفجارها بشكلٍ دوري.
3- الخط الثالث (المجتمع الديمقراطي): وهو المسار الذي يطرحه القائد عبد الله أوجلان؛ مسار ينبع من الداخل، يرفض التبعية للخارج كما يرفض الاستبداد المحلي، هذا الخط يرى في “المجتمع” لا في “السلطة” حجر الزاوية للحل. إن نجاح هذا المسار في تركيا سيشكل “نموذجاً ملهماً” لحل أزمات الجوار، ويمنع تحول المنطقة إلى ساحةٍ دائمية لحروب الوكالة الدولية، ويفتح الباب أمام كونفدرالية ديمقراطية شرق أوسطية.
مأسسة الحل ـ العبور من “الأمن” إلى “البرلمان”
يشدد البيان على “المسؤولية التاريخية للبرلمان”، وهي دعوة صريحة لمأسسة وقوننة عملية السلام لخروجها من حيز النوايا السياسية المتقلبة إلى حيز التشريع القانوني الملزم. إن الانتقال من “لقاءات إمرالي” الأمنية والخاصة والمؤقتة المحدودة إلى “التشريع البرلماني” العلني يعني:
1- الشرعية السياسية الوطنية: تحويل قضية السلام من ملف استخباراتي سري يُدار خلف الأبواب المغلقة إلى قضية وطنية علنية يشارك فيها ممثلو الشعب بجميع أطيافهم، مما يمنح الحل حصانة مجتمعية.
2- الضمان القانوني: وضع خارطة الطريق ضمن “إطار قانوني متماسك” يضمن عدم ارتهان الحل بتقلبات الحكومات أو الإرادات الشخصية للقادة، ويحمي المسار من “عامل الزمن” الذي قد يُستخدم للمماطلة والالتفاف على الحقوق.
3- الإرادة الديمقراطية: تحويل الحوار من مجرد “تفاهمات أمنية” لوقف إطلاق النار إلى “عقدٍ دستوري” جديد يضمن حقوق المواطنة المتساوية، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، وحرية الهوية كحقٍ طبيعي وأصيل لا كمنحةٍ من السلطة الحاكمة.
نهاية عصر السلاح وفلسفة “الاندماج الديمقراطي”
إن إعلان القائد عبد الله أوجلان الصريح بأن “زمن الكفاح المسلح قد انتهى” يمثل ذروة النضج السياسي والعبور الفعلي نحو الجمهورية الديمقراطية. العودة إلى الماضي لم تعد خياراً ممكناً في ظل كسر سياسات الإبادة والإنكار وكذلك التحولات الكونية الكبرى، والعملية الراهنة هي “مرحلة العبور الكبرى إلى السلام المستدام”. هذا التحول يرتكز على مفهوم “الاندماج الديمقراطي”:
1- هذا المفهوم لا يعني الانفصال الجغرافي أو التفتيت كما تروج القوى القوموية المتطرفة، بل يعني “المشاركة الفعالة على أساس الهوية والخصوصية” والوحدة في التنوع.
2- هو حل “قائم على أساس المجتمع”، حيث يتم تمكين البنى الاجتماعية والثقافية من ممارسة ديمقراطيتها الجماعية (الكونفدرالية الديمقراطية) ضمن إطار سياسي موحد يحترم الخصوصيات.
3- التشديد الجوهري على “حرية المرأة” كركيزة لا غنى عنها للحل، يعكس إيماناً عميقاً بأن ديمقراطية المجتمع تبدأ من تحرر قاعدته الأساسية، وأن أي حل سياسي يتجاهل استعباد المرأة سيبقى حلاً ناقصاً وقشوراً لن تصمد أمام اختبارات الزمن والتحولات الاجتماعية.
المسؤولية تجاه المستقبل المشترك
إن رسالة وفد إمرالي في آذار 2026 ليست مجرد ورقة سياسية عابرة، بل هي دعوة مفتوحة لعقد “قادش معاصرة” تجمع بين الأناضول وميزوبوتاميا في فضاء ديمقراطي واحد. إنها دعوة للتخلي عن هواجس البقاء و”النشاطات التدميرية” والشكوك التي زرعتها عقود من الحرب النفسية والخاصة، والاعتراف بأن الكرد هم الشريك الطبيعي والعمق التاريخي لبناء مستقبل المنطقة واستقرارها الإقليمي.
نرى أن الكرة الآن في ملعب الدولة والبرلمان والمجتمع المدني في تركيا. حيث إن فهم هذه اللحظة التاريخية بشكل صحيح يعني كسب الحاضر وضمان المستقبل للأجيال القادمة. فإما العبور نحو “الجمهورية الديمقراطية” التي تستوعب الجميع بكرامة ومساواة، أو البقاء في دوامة الصراعات العبثية التي لا تخدم سوى مخططات الهيمنة الخارجية التي تقتات على انقساماتنا. إن “الاندماج الديمقراطي” ليس مجرد حل للقضية الكردية، بل هو طوق النجاة الوحيد لمنطقة الشرق الأوسط التي تتوق للسلام الحقيقي منذ أن وقّع الحثيون والمصريون معاهدتهم الأولى على رمال قادش.
No Result
View All Result