No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد – في ظل تصاعد النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، تتكشف معاناة النساء بوصفها واحدة من أكثر الأبعاد الإنسانية قسوة وتعقيداً، فالحروب لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت لتطال الحياة اليومية للمدنيين، وتحديداً النساء اللواتي يواجهن أنماطاً مركبة من العنف تشمل القتل والنزوح والفقر والاستغلال.
وفق معطيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن استهداف المدنيين في النزاعات الحديثة ازداد بشكل غير مسبوق ما جعل النساء في مقدمة الفئات الأكثر تضرراً، والأكثر عرضة للانتهاكات والاعتداءات الهمجية في ظل الحروب الدائرة في البلاد.
النساء في غزة ألم مستمر
في غزة تتجلّى المأساة بأوضح صورها، حيث تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى مقتل نحو 47 امرأة وفتاة يومياً منذ اندلاع الحرب، فيما تجاوز عدد القتلى من النساء 38 ألفاً، كما نزحت ما يقارب مليون امرأة وفتاة داخل القطاع، في حين وثّقت منصة البيانات التابعة للهيئة نزوح 493 ألف امرأة في المراحل الأولى فقط.
وهذا النزوح الجماعي ترافق مع فقدان المأوى، حيث تعيش آلاف النساء في خيام أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية والأمان، إلى جانب ذلك أدى انهيار القطاع الصحي إلى كارثة صامتة، إذ سجلت 220 حالة وفاة مرتبطة بالحمل والولادة، وآلاف حالات الإجهاض نتيجة القصف وسوء التغذية. كما تعاني النساء من انعدام الأمن الغذائي، حيث غالباً ما يضحين بحصصهن لصالح أطفالهن ما أدى إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية بين النساء الحوامل والمرضعات، وفي ظل فقدان المعيل اضطرت آلاف النساء لتولي مسؤولية إعالة أسر كاملة في ظروف شبه مستحيلة.
نساء لبنان ومعركة البحث عن أمان
أما في لبنان، فتظهر الأزمة بشكل مختلف لكنها لا تقل خطورة، إذ تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة في آذار 2026 إلى نزوح نحو 620 ألف امرأة وفتاة، يشكلن أكثر من نصف النازحين بينما تعيش 85% منهن خارج مراكز الإيواء الرسمية، هذا الواقع دفع بالعديد من النساء إلى السكن في أماكن غير آمنة كالشقق المكتظة أو المباني غير المكتملة أو حتى الشوارع.
ففي ظل هذه الظروف والحرب المستمرة، يزداد خطر تعرض النساء إلى الاستغلال الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما تواجه النساء صعوبات كبيرة في الوصول إلى الرعاية الصحية خاصة خدمات الصحة الإنجابية، حيث سجلت حالات ولادة في ظروف غير مجهزة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فقدت العديد من النساء مصادر دخلهن ما دفع بعضهن إلى العمل في ظروف قاسية أو غير آمنة، كما تعاني النساء النازحات من ضعف الحماية القانونية ما يحد من قدرتهن على الإبلاغ عن الانتهاكات أو طلب المساعدة.
المرأة السورية من ضحية إلى صانعة أمل
في سوريا، حيث يمتد النزاع منذ أكثر من عقد، تعيش النساء واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية، فقد وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 306 آلاف مدني خلال السنوات الأولى من الحرب، بينهم أعداد كبيرة من النساء، كما تؤكد تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن العنف الجنسي استُخدم كسلاح حرب، حيث تعرضت نساء للاعتقال التعسفي والتعذيب والاغتصاب داخل مراكز الاحتجاز.
إضافة إلى الانتهاكات والجرائم والقتل بحق النساء إلى جانب التهجير القسري، انتشرت ظواهر الزواج القسري والمبكر كآلية حماية في بعض المجتمعات ما أدى إلى تفاقم معاناة الفتيات، وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن النساء والأطفال يشكّلون أكثر من 80% من النازحين السوريين ويعتبرون الأكثر عرضة للقتل والانتهاكات.
وأن الغالبية العظمى من النازحين يعيشون في ظروف هشّة غالباً دون معيل أو حماية كافية، كما تتحمل النساء أعباء إضافية، مثل إعالة الأسرة والعمل في ظروف قاسية إلى جانب الآثار النفسية العميقة الناتجة عن فقدان أفراد الأسرة والتعرض للعنف، وظروف الحرب القاسية التي رمت بكاهلها على عاتق المرأة السورية.
ومع ذلك لم تكن المرأة السورية مجرد ضحية، بل برزت كقوة فاعلة في مختلف المجالات، خاصة في مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا، حيث لعبت نساء وحدات حماية المرأة دوراً ريادياً في مواجهة الجماعات المتطرفة مثل مرتزقة داعش، وأسهمن في حماية مجتمعاتهن والدفاع عن الأرض.
كما كان للنساء في روج آفا حضور بارز في العمل السياسي والإداري ضمن الإدارة الذاتية، حيث شاركن في صنع القرار وإدارة المؤسسات هذا التحول عكس صورة مختلفة للمرأة السورية، التي رغم المعاناة استطاعت أن تثبت قدرتها على القيادة والصمود، وأن تكون عنصراً أساسياً في إعادة بناء المجتمع.
النساء الإيرانيات صمود في وجه القمع
وفي إيران، رغم عدم وجود حرب تقليدية داخلية، إلّا إن النساء يواجهن أشكالاً مختلفة من العنف المرتبط بالتوترات السياسية والأمنية، فقد وثقت منظمة العفو الدولية تعرض النساء للاعتقال والعنف خلال الاحتجاجات، بما في ذلك الضرب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز.
وتشهد إيران منذ سنوات تصاعداً ملحوظاً في الانتهاكات بحق النساء، تتراوح بين القيود القانونية الصارمة والعنف الجسدي والنفسي، فالقوانين المستندة إلى تفسيرات متشددة تفرض قيوداً على حرية المرأة في اللباس والعمل والتنقل، وتستخدم أحياناً كأداة لقمع أي شكل من أشكال الاعتراض.
وقد برز ذلك بشكل واضح عقب أحداث استشهاد الشابة “جينا أميني”، الشرارة التي أشعلت موجة احتجاجات واسعة، حيث وثّقت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، استخدام العنف المفرط ضد النساء المشاركات، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والضرب وحتى القتل والإعدام بشكل خاص، حيث تجاوزت إحصائية العام إعدام النساء منذ العام 2026 فقط أكثر من عشرة نساء.
كما تواجه النساء قيوداً اجتماعية وقانونية تحد من حريتهن ما يجعل أي تحرك احتجاجي محفوفاً بالمخاطر، ومع تصاعد التوترات الإقليمية تتأثر النساء بشكل غير مباشر من خلال تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر، ما يزيد من هشاشتهن خاصة في المناطق الحدودية أو المتأثرة بالعقوبات والأزمات والحروب الدائرة في البلاد، وفي ظل هذه الظروف تستمر النساء الإيرانيات في النضال من أجل حقوقهن الأساسية، متحديات بيئة قانونية واجتماعية معقدة تسعى للحد من دورهن وحرياتهن.
وعلى المستوى العالمي تشير أحدث الإحصاءات العالمية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة وتقارير دولية خلال عامي 2025 و2026 إلى تصاعد غير مسبوق في تضرر النساء من النزاعات المسلحة، حيث يُقدر أن نحو 676 مليون امرأة وفتاة أي ما يقارب 17% من نساء العالم.
تكشف هذه الوقائع أن المرأة في مناطق النزاع لم تعد ضحية عرضية، بل أصبحت في قلب الاستهداف المباشر وبين النزوح القسري، والانتهاكات الجسدية والنفسية، وانهيار سبل العيش، تستمر معاناة النساء وسط غياب حلول جذرية ما يجعل حمايتهن وتمكينهن ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل.
No Result
View All Result