No Result
View All Result
جوان عبدال
إن ما يحدث على الساحة العالمية من تغيرات جذرية في الـُبنى الثقافية والفكرية باسم العولمة، التي تدّعي أن العالم فيها أصبح قرية صغيرة بفضل التلاقح الحضاري المتسارع على وتيرة عالية، وما يشهده من تواصل بفضل الاتصالات ووسائط النقل، أكان عبر الأقمار الصناعية وما تقدمه دقيقة بدقيقة عما يحدث في أي مكان فيها، أم كان عبر وسائط النقل العادية، كالسيارات والقطارات والطائرات، التي تأخذ الإنسان وتنقله إلى أي بقعة يريد، ليس هذا وحسب إنما التأثير المرادف لذلك، فالإنسان أسير ما يرى ويسمع، فينبهر بالسطح والقشور، فينعكس ذلك على حياته في معيشته وعمله وتطلعاته وأسلوبه، ويتأثر بالمزدهر أو ينبهر حتى يكاد ينسى جذوره وأصوله.
ويمكننا هنا استدراك قولنا؛ إن الذي أثر في مسيرة التراث والأصالة وسرّع الابتعاد عنهما ـ قبل العولمة -التطور الصناعي الذي بدأ يزاحم بزخم فعال ابتداءً من القرن السادس عشر، إضافة إلى تفاعل الإنسان، وتسارع نهاية الإقطاع ونهوض البرجوازية الصناعية والتجارية بالتزامن معاً في القرن الماضي، فعملية العولمة والتحول الاجتماعي المصاحب لها سارع بنشوء حالة جديدة أدت إلى زوال القديم المتوارث.
من هنا نشأ صراع بين العولمة والأصول أو بين الحداثة والتراث، أو بين التقليد والتقاليد -تقليد الغير وتقاليد الأصل- فلا يجب أن نبهر بالوافد من العادات بل نحافظ على العادات والقيم الأصيلة المتوارثة، وهذا يشكل تحدياً للحضارات القديمة الأخرى، لأن العولمة والحداثة أي المعاصرة والأصالة بحجة الإصلاح والتطوير والنهضة. هكذا تأتيان بعالم أجنبي غريب وطرح جديد بديل، وبسبب استهلاكنا منتجاتها، باتت تؤثر بالتالي ليس في الأسلوب والمظهر باستعمالات الأدوات والألبسة والموديلات الجديدة فقط، لا بل تؤثر في الصميم في القيم والأسس، هذا الكلام لا يعني عداوة بالمطلق، ففي الجديد الوافد شيء جيد نأخذ به، ولكن ليس كل شيء، وبالتالي تؤثر في الحضارة المستمرة، حتى يجد المرء صعوبة في التفريق بين المجتمعات أهي تقليد أم تقاليد، التي فرضت نفسها من خلال أدواتها ومنتجاتها على العالم كله دون استيعاب، وبذلك قدمت نمطاً جديداً أو نظاماً جديداً للتعاون أو التواصل في سبيل السلعة الجديدة أو الشيء الجديد المطروح للتداول.
فالعولمة و”الحداثوية” تأتي لتكسر وحدة الحياة الروحية وتحرف بوصلتها، وتتلف الخصوصية للتكوين النفسي للطباع والتقاليد ذات المؤشرات البنيوية المتجانسة الواحدة، أي وحدة التكوين النفسي الثقافي المكتسب من آماد بعيدة، في صيرورة الذات أو في العلاقات الاجتماعية مع الآخرين ومعرفة الحد والحدود ومراعاة الممنوع والمسموح، المعزز فيها التجانس الموضوعي، وتضم بين جوانحها الروابط والعلاقات في وحدة ثقافية روحية ومادية متناسقة بآن معاً، ومتمثلة المثل والقيم والتقاليد والأعراف، أي متمثلة الثقافة الشعبية في مجمل أشكال النشاط الروحي المادي ومفرزاتهما، ويؤدي بالتالي إلى جملة المعارف المتعارف عليها في مجتمع ما، يجمع بين لبناته وحدة معيشية حياتية واحدة أو أقرب، بذلك الغنى الروحي والنقاء الأخلاقي.
إن التحولات الجذرية في المجتمعات تضعها في خانة غير معلومة، في خانة ليست لها، فالمرء لم يعد يعرف كيف يتصرف، لم يعد يعرف “رأسه من قدمه”، حتى شُبه بالانفصام في الشخصية وفي الهوية، فيكون التغريب والتوهان والضياع، وهنا أشبه انحرافنا وعدم تمسكنا بأصولنا بذلك الغراب الذي أحب أن يقلد الحجل في سيره فصعب عليه ذلك، فلما رجع إلى مشيته الأولى أعيا وأمسى لا غراباً ولا حجلاً.
لقد تلوثت حياتنا بسبب تداخلات الغير لأنها تفقدنا أسساً ومرتكزات متوارثة، فقد تشوهت القيم، فلم يعد الصدق كما كان، ولا الكرم، ولا الرجولة، ولا الشرف، ولا الوعد ولا وألف ولا، لقد تغيرت مائة وثمانين درجة وتمثلت قيم اجتماعية وثقافية تعتمد الأنانية الميكافيلية والمصلحة والدعس على كلِ شيء وكلٍ كان، أكان الأخ أو القريب أو الجار والصديق، قيم استهلاكية متلونة كأن عالم الغاب عاد وساد، وتفسخ ارتباط السلف الأصيل، وترسخت قيم بديلة لقيم ومعاملات أصيلة أدت إلى تغيير العقلية القديمة وكامل فعاليات التواصل وآلياته وسلاسته.
وحتى نبقي الأصل ونحافظ على الهوية الثقافية والتقاليد والقيم الأصيلة قديمها وجديدها، وبعد أن فرض الجديد نفسه وعجز القديم على المحافظة على نفسه مع إدراكه إن ما تم هو “هبة ريح”، وموجة مجنونة شردت آتية، والسيادة له أتت من تطوره وتقدمه في الاقتصاد (المال والتجارة) وفي التقنية وآلاتها، وليس من قيم أخلاقية حضارية.
وأي حديث عن التوافق بين العولمة والحداثة من جهة، وبين الأصالة والتراث من جهة أخرى، هو حديث عابر حديث خرافة، لذا كان التراث الشعبي بما فيه هو وعاء العطر، والرجوع إليه والنهل منه هو خير معين لصفاء السريرة، واستلهام المستقبل منه، واستنباط للذات وخصوصيتها، فلا اتكاء ولا تواصل ولالا. ففي التراث الشعبي حياتنا وحيويتنا، فيه راهننا وغدنا، فيه نحن بجوانحنا وأجنحتنا، حتى لا يطمس ويتفتت، ومهما تكيفنا فسيتغلب علينا الزمن الطويل. لذا كان المأمول ما هو موجود بين أيدينا، أن نرصد تراثنا ونقيمه في كل مجالاته وفي كل مجالاتنا، ليربطنا ويشدنا إلى ماضينا وتاريخنا وتراثنا، ثم نوثقه للجيل الآتي.
ولئن نشهد حالياً تداخلاً بين القديم والجديد –نقول تداخلاً ولا نقول صراعاً-بين الأصيل والدخيل، فسنبحث جاهدين عما يحقق الأصيل ويحافظ على القديم بمزاوجة ممكنة، فلا أحد يستطيع إلغاء الآخر، لأنه موجود، ومكان وساحة المنافسة حلبة واحدة.
وعليه فلنحدد موقفنا، فهل نحن مع أو ضد؟
آ ـ تعريف بالتراث الشعبي الشفاهي:
لغة: جاء في “معجم مقاييسُ اللّغة” لأبي الحسين أحمد بن فارِس بن زكَرِيـّا:
مادة (ورث): هي الوِرْث. والميراث أصله الواو. وهو أن يكون الشّيءُ لقومٍ ثم يصيرَ إلى آخرين بنسبٍ أو سبب. قال عمرو بن كلثوم في معلقته: “ورِثْناهُنَّ عن آباءِ صدق/ ونُورِثُها إذا مِتْنا بَنِينا” والتراث كلمة منه وفيه، والتراث في المعنى المتداول الآن يعني: المتوارث والباقي من مخلفات السلف للخلف جيلاً بعد جيل.
والشعبي: لغة مشتق من (شعب): كلمة وهو أصلان مختلفان، أحدهما يدلُّ على الافتراق، والآخر على الاجتماع. فقال قومٌ: هو من باب الأضداد. وقال آخرون: ليس ذلك من الأضداد إنّما هي لغات. قال الخليل: من عجائب الكلام ووُسْع العربيَّة، أنَّ الشَّعْب يكون تفرُّقاً ويكون اجتماعاً، وقولهم للصَّدْعِ في الشيء شَعْب. ومنه الشَّعْب: ما تشعّبَ من قبائل العرب والعجم، والجمع شعوب قال تعالى: (وَجَعلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ) الحجرات 13.
ويقال: انشعبت بهم الطُّرق، وانشعبت أغصانُ الشجرة. إذا تفرَّقَتْ، وقد يجوز أن يكون الشَّعْب الذي في باب القبائل سمِّي للاجتماع والائتلاف. ويقولون: تفرَّق شَعْب بني فلان. وهذا يدلُّ على الاجتماع.
وفي المصطلح الآني المتعارف حالياً يدل على أن كلمة (شعب) تعني “مجموع الناس” المتآلفين المتعايشين معاً في مكان ما، وإن كان مجموع السكان هؤلاء يتألفون من فئات وطبقات مختلفة متفاوتة.
الشفاهي: يبدو لي أن هذه الكلمة تعني حاضراً وفي موقف سابق ليس ببعيد، ما ينقل شفاها من دون التدوين، ما تحفظه الصدور، ويقال ويتداول بالكلام أي بالفم واللسان، وأما لغة فتقول: (الشَّفَة) لأنَّ الشفتين تُشفِيان على الفم. وقد قيل فيها إن الناقص منها واوٌ، حيث يقال ثلاث شَفَوات. وقال قوم: الشَّفَة حذفت منها الهاء، وتصغيرها شُفَيْهة، والقولان محتملان، إلاَّ أنَّ الأول أجود لمقاربة القياس الذي ذكرناه، والمشافهة بالكلام: مواجهةٌ من فيك إلى فيه، والفي: الفم، ورجل شُفاهِيٌّ: عظيم الشفتين.
وجاء في لسان العرب مادة تراث: كلمة من وَرَثَ، وأصل التاء واو أي وارث، والوِرْث، والوَرْث، والإرث، والإراث، والتراث معنى واحد، والتراث والميراث ما ورث، وقيل الميراث في المال والإرث في الحسب.
وعن تعريف الفلكلور: أي التراث الشعبي الشفاهي، هو كل تراث بقي من السلف واستمر إلى الآن، أي ثقافة الشعب الجمعية المتوارثة بما فيها من بلاغة وخبرات. وهو يتألف من قسمين: الأول من الكلام واللغة: كالأمثال والحكم والأغاني والأدعية والمواقف من العادات والتقاليد، والقيم والمعتقدات إلخ، وهو كل ما خلفه السلف في هذا الشأن، وانتقل من جيل إلى جيل شفاها من دون الكتابة والتدوين إن عرف صاحبه أم لا، والآخر؛ يحفظ بالممارسة ويتوارث لأنه نمط من الحياة كما في الحرف والمهن اليدوية، ويعرف بالتراث الشعبي المادي، وآخر ثانٍ في الأزياء والعمران والبناء عبر تأثيرات البيئة والمكان.
والتراث على الأرجح لا يعرف مؤلفه على وجه الدقة بسبب قدمه وتيهه السحيق، ويبقى عادة معرّفاً بأنه لمجموع الثقافة أو المجتمع أو الأمة، لأنه نابع منه ويؤول إليه، ولأنه يدل على مجموعة متجانسة ثقافياً وتمتلك التصور ذاته للأشياء نفسها أي بكلمة هي ثقافة الشعب وممارسته لأي قول يقوله أو عمل يقوم به، وهو النشاط الخلاق له أي لمجموع القيم والنشاط الإنساني في حيز ما.
فالتراث يعد علماً؛ وهو حامل تاريخي مواز لمجرى حياة الإنسان ومن خلاله نستطيع أن نرى مسيرة تلك الأيام السالفة ونتعرف على ناسها وطرائق تفكيرها ونمط معيشتها. لذا؛ يعد من أهم العلوم الإنسانية.
وفي التعريف الموجز: نقول إن العلم التراثي تعبير يدل على البحث والجمع والاعتناء والدرس لما خلفه السلف من الأجداد وما كانت عليه حياتهم كلها، وما صار إلينا، وهذا يطلق على كل ما يبحث في أمور حياتهم، وما حدث في أمور ثقافتهم، ونقصد بذلك التيار الفكري الذي تمثلهم، أو ما ساعدهم في معيشتهم، والتي تشمل حضارته وآدابه ولغاته، ولقد أسهم هذا العلم في صياغة التصورات عن الماضي عامة وعن التفاصيل العامة بصورة خاصة، أي معبّراً عن الخلفية الفكرية لبناء الصرح الحضاري بينهما إلى الآن.
No Result
View All Result