No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن اتفاق 29 كانون الثاني 2026 حدثاً عادياً في المشهد السوري، بل قُدّم حينها بوصفه نقطة تحوّل مفصلية في العلاقة بين السلطة الجديدة والشعوب المتعددة، وعلى رأسها الشعب الكردي. حمل الاتفاق في ظاهره وعوداً بوقف الانتهاكات، وضمان عودة المهجرين، وفتح صفحة جديدة قائمة على “الشراكة” و”الاعتراف المتبادل” غير أن ما جرى على الأرض منذ ذلك التاريخ وحتى منتصف نيسان 2026 يكشف عن مسار معاكس تماماً.
فبدلاً من أن يشكّل الاتفاق مظلة حماية، تحوّل إلى غطاء سياسي لاستمرار الانتهاكات، بل وتصاعدها في بعض المناطق. ومع عودة أعداد من أهالي عفرين إلى مناطقهم، وبدء الحديث عن إعادة الاستقرار، برزت موجة جديدة من المداهمات والاعتقالات، ترافقت مع خطاب تخويني يستهدف الكرد بشكل مباشر، تحت ذرائع “التعامل مع الإدارة السابقة” أو “الارتباط بجهات سياسية”.
هذه الوقائع لم تعد مجرد حوادث متفرقة، بل باتت نمطاً متكرراً يمكن رصده بوضوح في عفرين، الشهباء، وحتى ريف كوباني، حيث تتكرر السيناريوهات ذاتها: مداهمات، اعتقالات، إهانات، وتعذيب، في ظل غياب أي محاسبة حقيقية.
انفجار القمع في ريف حلب الشمالي
في يوم الثلاثاء، 14 نيسان 2026، عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، شهدت قرية النيربية الكردية، التابعة لمنطقة الشهباء في ريف حلب الشمالي، واحدة من أبرز عمليات المداهمة التي تعكس طبيعة المرحلة.
وفق المعطيات الميدانية، اقتحمت أربع سيارات تقل نحو 20 عنصراً تابعين لما يسمى “الحكومة السورية المؤقتة” القرية، وبدأت حملة تفتيش واسعة استهدفت منازل المواطنين الكرد. لم تكن العملية قائمة على أوامر قضائية أو مذكرات قانونية، بل جرت بشكل تعسفي، ودون مراعاة حرمة البيوت أو خصوصية السكان. المنازل التي تم اقتحامها تعود لمواطنين معروفين في القرية، معظمهم من كبار السن أو من العائلات المدنية البعيدة عن أي نشاط سياسي. ومن بين الأسماء التي تم توثيقها:
عبد الجليل عيدان (55 عاماً).
حكيم شاهين.
شاهين حكيم شاهين (23 عاماً) – تم اعتقاله.
عماد عبد الجواد ولو (45 عاماً) – تم اعتقاله.
محمد نوري محو (36 عاماً).
عبد الجواد عبد القادر ولو (63 عاماً).
زياد أحمد عبد القادر ولو (40 عاماً).
خالد أحمد عبد القادر ولو (46 عاماً).
صلاح محمد عبد القادر ولو (45 عاماً).
ورغم أن عدداً من المطلوبين تمكنوا من الفرار، إلا إن اثنين من أبناء القرية، وهما عماد عبد الجواد ولو وشاهين حكيم شاهين، لا يزالان قيد الاحتجاز التعسفي حتى اللحظة. الأخطر في هذه الحادثة ليس فقط الاعتقال، بل طبيعة الاتهامات الفضفاضة التي وُجهت للسكان، والتي تكررت في أكثر من منطقة: “التعامل مع الإدارة السابقة”. وهي تهمة باتت تُستخدم كأداة جاهزة لتبرير أي انتهاك، دون الحاجة إلى أدلة أو إجراءات قانونية.
تهديدات جماعية واستهداف ممنهج
لم تكن حادثة النيربية معزولة، بل جاءت في سياق أوسع من التوترات التي تشهدها منطقة الشهباء، حيث يعيش آلاف المهجرين الكرد الذين هجروا من عفرين منذ عام 2018.
في 15 نيسان 2026، أصدرت جهات محلية وحقوقية بيانات تحذر من تصاعد التهديدات التي تطال سكان القرى الكردية في الشهباء، وعلى رأسها النيربية، من مجموعات مسلحة أبرزها “الحمزات” و”العمشات”. هذه المجموعات، التي لطالما وُجهت إليها اتهامات بارتكاب انتهاكات، عادت لتفرض نفسها مجدداً كلاعب أمني، مستندة إلى ذرائع سياسية.
القوائم التي جرى تداولها تضمنت أسماء عشرات المطلوبين، بينهم:
عبد الجليل عيدان، عيدان حاج علي، حميد عبد الجواد، عبد الجواد ولو، عبد القادر ولو، جابر شكري، علي شكري، حمدو عارف، خير الله عارف، خالد أحمدكي، عادل أحمدكي، زياد أحمدكي.

هذه القوائم، التي تُنشر دون أي إطار قانوني، تخلق حالة من الرعب الجماعي داخل القرى، حيث يعيش السكان تحت تهديد دائم بالاعتقال أو المداهمة. الأهالي، في بياناتهم، عبّروا عن رفضهم القاطع لهذه الانتهاكات، مؤكدين أن استهدافهم يتم على أساس هويتهم القومية، وليس لأي سبب أمني حقيقي. كما طالبوا المنظمات الحقوقية الدولية بالتدخل الفوري، في ظل ما وصفوه “بسياسة ممنهجة لإرهاب الكرد”.
عفرين… عودة محفوفة بالخوف بدل الاستقرار
في موازاة ما يحدث في الشهباء، تشهد منطقة عفرين تطورات مشابهة، رغم الحديث الرسمي عن “عودة الحياة الطبيعية” و”إعادة السكان إلى مناطقهم”. فمنذ بداية نيسان 2026، سُجلت عشرات حالات الاعتقال في قرى وبلدات عفرين، استهدفت بشكل أساسي الشباب الكرد العائدين إلى منازلهم. وغالباً ما تتم هذه الاعتقالات بشكل عشوائي، دون توجيه تهم واضحة، أو عبر استدعاءات إلى الأفرع الأمنية.
أحد أخطر هذه الأنماط هو ما يُعرف محلياً بـ”الفيش الأمني”، حيث يتم استدعاء الشبان، تفتيش هواتفهم، والتحقيق معهم لساعات، قبل أن يتعرضوا للضرب والإهانة، ثم يُطلق سراح بعضهم، فيما يُحتجز آخرون.
المفارقة أن هذه الممارسات تتصاعد في وقت يُفترض فيه أن الاتفاق الموقع في 29 كانون الثاني قد وضع حداً لمثل هذه الانتهاكات. لكن الواقع يشير إلى العكس تماماً: عودة السكان لم تُقابل بضمانات أمنية، بل بزيادة في الضغط عليهم.
لم تقتصر هذه الظاهرة على عفرين والشهباء، بل امتدت أيضاً إلى ريف كوباني، حيث سُجلت خلال آذار ونيسان 2026 عدة حالات اعتقال واستدعاء، طالت شباناً كرداً بذات الذرائع. ورغم أن وتيرة الانتهاكات في كوباني أقل مقارنة بعفرين، إلا إن النمط واحد: اتهامات غير مثبتة، تحقيقات تعسفية، وضغوط نفسية وجسدية على المعتقلين. هذه المؤشرات تعزز فكرة أن ما يجري ليس مجرد تجاوزات محلية، بل سياسة أوسع تستهدف الكرد في مختلف المناطق، ضمن سياق أمني وسياسي معقد.
شهادات المعتقلين… التعذيب على الهوية واللغة
تُعدّ شهادات المعتقلين الذين أُفرج عنهم خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أكثر المؤشرات وضوحاً على طبيعة الانتهاكات الجارية داخل مراكز الاحتجاز، إذ تكشف هذه الروايات عن مستوى مقلق من الممارسات التي تتجاوز البعد الأمني لتطال الهوية والانتماء بشكل مباشر. فالمفرج عنهم، القادمون من مناطق مختلفة كعفرين والشهباء وريف كوباني، قدّموا إفادات متقاربة في مضمونها، رغم اختلاف أماكن احتجازهم، ما يعزز فرضية وجود نمط ممنهج في التعامل مع المعتقلين الكرد.
وبحسب هذه الشهادات، فإن عمليات التحقيق لا تقتصر على الأسئلة التقليدية المرتبطة بالاتهامات الموجهة، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى جلسات ضغط نفسي وجسدي، يُستخدم فيها الضرب والإهانة كوسائل لإجبار المعتقلين على الاعتراف أو الإدلاء بمعلومات. غير أن اللافت في هذه الإفادات هو الطابع العنصري الذي يرافق تلك الممارسات، حيث يتم توجيه الشتائم على أساس قومي، في محاولة لإذلال المعتقلين وكسر معنوياتهم.
كما أشار عدد من الشهود إلى أنهم تعرضوا لضغوط مباشرة للتخلي عن لغتهم الأم داخل مراكز الاحتجاز، إذ جرى منعهم من التحدث بالكردية، سواء أثناء التحقيق أو حتى في الأحاديث الجانبية مع معتقلين آخرين. وفي بعض الحالات، تم تهديدهم بعقوبات إضافية في حال استخدامهم لغتهم، ما يعكس توجهاً يتجاوز الإطار الأمني ليصل إلى محاولة فرض واقع ثقافي قسري داخل أماكن الاحتجاز.
وتؤكد هذه الشهادات أيضاً أن التفاهمات السياسية التي أُعلن عنها في مطلع العام لم تنعكس بأي شكل عملي داخل هذه المراكز، حيث استمرت أساليب التعامل ذاتها دون تغيير يُذكر، سواء من حيث طبيعة التحقيق أو ظروف الاحتجاز. كما أشار المفرج عنهم إلى أن عدداً كبيراً من المعتقلين لا يزالون محتجزين منذ فترات متفاوتة دون توجيه اتهامات رسمية، ودون عرضهم على أي جهة قضائية.
ويزيد من خطورة هذا الواقع استمرار منع العديد من العائلات من معرفة مصير أبنائها أو التواصل معهم، ما يتركهم في حالة من القلق الدائم، ويطرح تساؤلات جدية حول مصير هؤلاء المعتقلين في ظل غياب الشفافية وانعدام الضمانات القانونية.
بين النص والواقع… أزمة ثقة تتعمق
بين التعهدات الرسمية التي رافقت اتفاق 29 كانون الثاني 2026، والصورة الفعلية التي تتكشف يومياً في مناطق الشمال السوري، تتعمّق حالة الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع المعاش. فالاتفاق الذي رُوّج له بوصفه مدخلاً لتهدئة مستدامة، لم ينجح في بناء الحد الأدنى من الطمأنينة لدى السكان الكرد، بل بدا في نظر كثيرين إطاراً نظرياً غير قادر على كبح الممارسات على الأرض أو ضبط سلوك القوى المسيطرة.
في عفرين، كما في الشهباء وريف كوباني، تتكرر المشاهد ذاتها بوتيرة لافتة: اقتحامات مفاجئة، توقيفات غير مبررة، وضغوط يومية تطال تفاصيل الحياة المدنية. هذا التشابه في الأنماط، رغم تباعد الجغرافيا، يعكس بنية أزمة أعمق من مجرد تجاوزات فردية، ويشير إلى غياب آليات رقابة فعالة أو إرادة حقيقية لتغيير المسار.
الأكثر إشكالية أن هذه الوقائع تتزامن مع صمت دولي واضح، يقابله ضعف في قدرة الجهات المحلية على فرض معايير قانونية أو حماية مجتمعية، ما يترك المدنيين في مواجهة مباشرة مع واقع غير مستقر، تحكمه القوة أكثر مما تحكمه القوانين. وفي ظل هذا المشهد، لم تعد القضية محصورة في وقف الانتهاكات بحد ذاتها، بل باتت مرتبطة بسؤال أكبر حول شكل العلاقة بين السلطة والشعوب، وحدود الاعتراف بالحقوق الأساسية.
ومع استمرار هذا التناقض، تتكرس لدى السكان قناعة بأن العودة إلى المناطق الأصلية لا تعني بالضرورة استعادة الشعور بالأمان، وأن التفاهمات السياسية، مهما بدت متقدمة على الورق، تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى ضمانات ملموسة. هكذا، يجد الكرد أنفسهم أمام واقع معقّد، تتداخل فيه المخاوف اليومية مع غياب الأفق الواضح، في انتظار تحوّل فعلي يعيد الاعتبار لمفهوم العدالة ويمنح الاستقرار معنى حقيقياً.
No Result
View All Result