في خضمّ التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها المنطقة، تجد سوريا نفسها أمام تحدياتٍ جسيمةٍ، في ظلِّ عجز السلطة الحالية عن تلبية متطلبات الشعب السوري، بدءاً من الضغوط الاقتصادية المتمثلة بارتفاع سعر الدولار، ومروراً بحالات الفلتان الأمني وازدياد وتيرة الجرائم، وصولاً إلى مشهدٍ سياسي داخلي خارجي بالغ التعقيد، فضلاً عن ملفاتٍ أخرى ما تزال عالقةً وتنتظر الحل في أقرب فرصةٍ ممكنةٍ.
خلال الأسبوع المنصرم، شهدت الساحة السورية تطوراتٍ جديدةً، تجلّت في تنظيم احتجاجاتٍ وانتقاداتٍ علنيةٍ لسياسات السلطة الحالية في دمشق، ما وضع الحكومة السوريّة المؤقتة في موقفٍ بالغ الصعوبة، فقد شهدت الرقة قبل أيام اعتصام أكثر من 120 محامياً رفضاً لحرمانهم من مزاولة المهنة التي يكسبون منها قوتهم اليومي. كما أقدمت عناصر تابعة للحكومة المؤقتة على اعتقال ستة شبانٍ كرد بتهمة التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية. وفي دير الزور، الواقعة شرق البلاد، خرج سكان بلدة الهرموشية للمطالبة بتحسين الواقع الصحي المتدهور أصلاً، إلى جانب ملف مخلّفات الحرب التي ما تزال تحصد أرواح المدنيين وتهدد حياتهم بشكلٍ يومي، في ظل انتشارٍ واسعٍ للألغام والذخائر غير المنفجرة في مساحاتٍ شاسعةٍ من البلاد. وقد تحولت هذه المخلّفات إلى أحد أخطر التحديات الإنسانية والأمنية في الوقت الراهن، إذ تعيق عودة الحياة الطبيعية إلى العديد من المناطق، وقد عكست هذه التطورات حجم الضغط الشعبي والسياسي الموجّه ضد الحكومة المؤقتة، التي ما تزال تراهن على الخارج من أجل استمرار هيمنتها وكسب شرعيتها وبالتالي بسط سيطرتها على البلاد، وقد بددت هذه المستجدات الميدانية المتسارعة الآمال التي كانت تُعلّق على قدرة الحكومة الحالية على معالجة جراح السوريين النازفة.
وتشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى أن سوريا مقبلة على تحدياتٍ كبيرةٍ في ظل تداعيات الصراع الإيراني ـ الأمريكي من جهة، والإسرائيلي من جهة أخرى، بما يهدد استقرار المنطقة واقتصاد العالم برمّته. وفي ظل غياب آليات رصدٍ ومتابعةٍ فاعلةٍ للأوضاع الميدانية والأمنية والاقتصادية، يبقى المواطن السوري ضحية الممارسات والانتهاكات التي يتعرض لها بشكلٍ شبه يومي، وسط اتساع رقعة الفوضى التي تطال الجغرافيا السورية.
ويعكس كل ذلك عمق الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها السوريون على اختلاف مشاربهم، في ظل ضعف أداء الحكومة في ضبط الإيقاع العام وفق رؤيةٍ تستجيب لتطلعات المواطنين.
ويقتضي الوضع الراهن من الحكومة الحالية ترسيخ الأمن والاستقرار، لا تكريس العنف والفوضى؛ فالمواطن السوري اليوم بحاجة إلى العيش بكرامة بعيداً عن دوامة العنف القاتلة، وتأمين حياةٍ آمنةٍ له، وإنقاذه من الجوع والحرب وجرائم القتل، فضلاً عن توفير فرص عملٍ تليق بخبراته المهنية والعملية.
وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية دور السوريين بكافة شعوبهم في التكاتف من أجل النهوض بسوريا من جديد، وتعزيز جهودهم ونشاطهم السياسي والاجتماعي لمواجهة مختلف الصعوبات والظروف القاسية، والمشاركة في بناء سوريا التي يتطلع الجميع إلى العيش فيها بحريةٍ وكرامة.