No Result
View All Result
ضياء إسكندر
منذ كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلةً يُعاد فيها تشكيل السلطة وفق قواعد مستحدثة. توسّع حضور رجال الدين في مواقع القرار داخل الوزارات والدوائر، وتولّى بعضهم مهام إدارية مباشرة رغم محدودية الخبرة والتأهيل، مع صلاحيات تشمل التعيين والترقية واتخاذ القرار، استناداً إلى معيار الانسجام الأيديولوجي.
نتيجة لذلك، بات الموظفون يعملون تحت إشراف مباشر لشخصيات شرعية، ما غيّر طبيعة العمل الإداري التقليدي. ففي السابق، كان المواطن يدخل إلى الدائرة الحكومية وهو يتهيّب الروتين والواسطة وربما الرشوة، أما اليوم فيواجه سؤالاً غير معتاد: “هل راجعت الشيخ؟”، سؤال قد يسبق أي إجراء، وقد يحسمه. هذا التحوّل يثير تساؤلات جدية حول طبيعة ما يُبنى في البلاد: هل نحن أمام دولة حقيقية، أم سلطة ترتدي عباءة الدين؟
لماذا الشيوخ؟
تفسّر هذه الظاهرة عبر أربعة دوافع متداخلة:
أولها الخلفية الأيديولوجية للحركة الحاكمة، التي تنظر إلى الحكم من زاوية “الشرعية الدينية”، مشددةً على أن كل قرار سياسي وإداري يجب أن يمر عبر إطار ديني لضمان الطابع الشرعي للسلطة.
ثانيها، كسب رضا المجموعات العسكرية المتطرفة التي ساندت الحركة، وضمان ولائها في إطار السلطة الجديدة، بما يعزّز استقرار الحكم داخلياً. ثالثها، إحكام السيطرة، بحيث تصبح السلطة مركّزة ضمن شبكة ولاءات متينة من الشيوخ والعناصر المؤدلجة، تتجاوز الهياكل الإدارية التقليدية. كل قرار إداري أو قضائي أو أمني يصبح خاضعاً لآليات الولاء للهيئة، ويُقيّد استقلالية الموظفين المدنيين، ما يخلق سلطة هرمية مشدودة على جميع مفاصل الدولة.
رابعها، الحسابات الإقليمية، حيث يشكّل إبراز هذا الطابع الديني رسالةً سياسية موجهة إلى بعض الدول ذات الخلفية الإسلامية، مثل تركيا وقطر والسعودية، في محاولة لكسب رضاها أو تبديد مخاوفها من نموذج حكم قد لا ينسجم مع تصوّراتها التقليدية في المنطقة.
أين يكمن الخطر؟
أول مظاهر الخطر تتمثّل في غياب الكفاءة الإدارية، فنقل إدارة مؤسسات معقّدة إلى شخصيات تفتقر إلى الخبرة التخصصية، يُضعف الأداء ويعقّد مسارات اتخاذ القرار. وفي بلد يواجه أزمات خدمية واقتصادية حادّة، تصبح الكفاءة والخبرة مسألة وجودية.
أما على مستوى الحريات، فإن تمدد الرقابة ذات الطابع الديني بدأ ينعكس فعلياً على مجالات الحياة اليومية، فارضاً قيوداً على سلوكيات وعادات اعتادها الناس دون عوائق.
وقد بات المواطن السوري يشعر بالقلق من موجة قيود متصاعدة: تقييد اللباس في الشواطئ، منع التزيين في دوائر الدولة، حظر بيع المشروبات الروحية، منع بيع الملابس النسائية على أيدي الرجال، تقييد عمل الأطباء الذكور في بعض المجالات، وصولاً إلى منع الاختلاط في بعض الأماكن، وغيرها من القيود التي تتسلل تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية.
السلطة الهجينة بين الإدارة والدين
ظاهرة “الشيوخ” هي انعكاس لمحاولة الهيئة بناءَ دولة ذات طابع ديني – شرعي، تواجه بشكل متدرّج تحديات كبيرة في الكفاءة والشرعية الدولية، وفي التوازن بين الدين والإدارة المدنية.
في النهاية، لا أحد يعترض على حضور الدين في المجتمع، فالمجتمعات العربية محافظة والدين جزء من نسيجها. لكن؛ المشكلة تبدأ حين يتحوّل الدين إلى بطاقة وظيفية، وحين يصبح الطريق إلى المنصب أقصر عبر المنبر منه عبر الجامعة. في هذه الحالة، لن نكون أمام دولة حديثة، ولا حتى دولة دينية واضحة، بل أمام كائن هجين: نصفه مؤسسة، ونصفه خطبة، حيث تتشابك السلطة الإدارية مع الوعظ الديني، ويصبح المواطن رهيناً لهذا التداخل في حياته اليومية.
سوريا بين نموذجين
تحدد السنوات القادمة مصير سوريا الجديدة: هل ستتحول إلى نموذج “إدلب” الموسع، حيث حكم الشيوخ والولاء الأيديولوجي هما الأساس، أم ستنجح الضغوط الدولية والمطالب الشعبية في إسقاط السلطة أو على الأقل دفعها نحو تبنّي نموذج أكثر مدنية وتعددية؟
وحدها الأيام كفيلة بالإجابة. لكن؛ حتى ذلك الحين، تبقى سوريا مختبراً حياً للصراع بين السلطة الروحية والسلطة المدنية، بين العمامة وربطة العنق، بين المسجد والمؤسسة.
No Result
View All Result