No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
بعد شد وجذب كبيرين، إثر سقوط نظام البعث الحاكم في العراق، وبعد عقد العديد من المؤتمرات والاجتماعات بين الكرد، والعراقيين، والكرد أنفسهم، حدثت تفاهمات أقرت باختيار الكرد الفيدرالية، ضمن حدود الدولة الواحدة، وكان من بين التفاهمات تلك، قضية المدينة الكردستانية كركوك، التي تعرضت لسياسات التعريب والترحيل القسري، في عهد النظام البعثي البائد.
وكانت الوعود بأن كركوك ستعود إلى وضعها الطبيعي، كمدينة كردية، لكن، الذهنية التي تعاملت مع الكرد سابقاً، عادت لتسيد المشهد العراقي، حيث تنصل قادة العراق الجدد الذين تفاهموا مع الكرد، ووقعوا على الفيدرالية، وتثبت الحقوق الكردية في الدستور، تنصلوا عن وعودهم، وطالب البعض منهم بتجميد ملفات كركوك، والمناطق المتنازع عليها، تحت مسميات واهية لا تستند للواقعية.
وفي الصدد، كانت هناك مرافعة تاريخية، حول كركوك، لرئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، آنذاك المرحوم جلال الطالباني، طالب فيها بتصحيح مسار السياسات الإقصائية والاستبدادية، التي حدثت في كركوك، إبان حكم النظام البعثي البائد، وعودة الحقوق لأصحابها، والمرافعة تلك طالبت صراحة، بإعادة الكرد، والتركمان، المرحلين منها قسرا، وإعادة الوافدين الذين تم توطينهم في إطار التغيير الديمغرافي والتعريب، إلى مناطقهم الأصلية، وتصحيح حدود المحافظة وتثبيتها، التي تم إحداث تغييرات عليها ضمن سياسات تطهير قومي وطائفي، وإجراء إحصاء سكاني مهني، وتنظيم استفتاء حر يحدد فيه سكان كركوك مصير مدينتهم.
وبهذه المرافعة نقل المرحوم جلال الطالباني، قضية كركوك، من مادة للاستقطاب القومي إلى نموذج للعدالة الانتقالية، والحل الوطني الذي يمنع الانقسام، القوة الحقيقية للمرافعة كانت في الأدلة، التي قدمها أمام مجلس الحكم، من وثائق عصبة الأمم، وخرائط عثمانية رسمية، وكتبا معتمدة في الجغرافيا والتاريخ، مثل كتاب مشكلة الموصل، وقاموس الإعلام، ليؤكد جملة من الحقائق الجوهرية، التي يجب أن تذكر، وهي أن حدود العراق التاريخية لم تتجاوز جبل همرين، وأن جغرافية باشور كردستان تبدأ من شمال خط جبل همرين، وأن ولاية الموصل لم تكن يوماً جزءاً من حدود العراق، لغاية تأسيسها في العام 1920، وإن إلحاق باشور كردستان، تم إلحاقه بالعراق عام 1925 بقرار دولي، كما ورد بالمرافعة، تصريحات ممثل بريطانيا أدمونز في لجنة عصبة الأمم المتحدة، الذي أكد أن المساس بالهوية الكردستانية لكركوك، يعد انتهاكا صريحا للتعهدات الدولية، وان ذلك ينسف الأساس القانوني الذي ضمت بموجبه ولاية الموصل إلى العراق.
كان خطابه موجها إلى شركائه في الحكم، حين قال بوضوح إن وحدة العراق لا تصان بالقسر، ولا بالإنكار، بل بالاعتراف بالحقوق، وتنفيذ التعهدات التي قامت عليها الدولة، وذكرهم بحقيقة أساسية، إن شعب كردستان بباشور، اختار الانضمام إلى العراق، لا إلى تركيا، وكان هذا الخيار مشروطا باحترام خصوصيتها القومية والإدارية والثقافية.
وأعاد الراحل الكبير، التذكير بمعاهدة سيفر، في بنودها 62 و63 و64، التي اعترفت بحق الكرد في تقرير المصير، وأن الحكومتين العراقية والبريطانية، اعترفتا رسميا عام 1922 بحق الكرد في تأسيس حكومة كردستانية ضمن حدود العراق، ومراسلات الملك فيصل مع تشرشل، حددت حدود الدولة العراقية عند جبل همرين، وتم الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في المناطق الكردية، وبموجب قرارات دولية.
لكن، لماذا علينا التذكير بأهمية المرافعة التاريخية، للراحل جلال الطالباني، اليوم، فأهمية المرافعة تكمن في التعامل معها كوثيقة تأسيسية تم إهمالها، وهي تقدم نموذجا لكيفية إدارة التعدد القومي والإثني داخل الدولة، وتوضح أن الأزمات الحالية في العراق، يجب تجاوزها، وهي ليست قدرا محتوما على العراقيين والكرد، القبول بها، وأن ما يحدث في العراق اليوم، ما هو إلا نتيجة، لإنكار حقوق الكرد، والانقلاب على بنود الدستور العراقي، الذي تم التوافق عليه.
واليوم العراق وقادتها، بحاجة إلى قراءة تلك المرافعة بتمعن، لفهم البدايات التي بني عليها العراق، وشروط بقائه واستمراريته واستقراره، فرغم مرور أكثر من عشرين عاما على المرافعة، بقيت عصية على التنفيذ، على أرض الواقع، وباعتقادي أن العودة للمرافعة، تشكل فرصة ثمينة لا تعوض في مسار بناء الدولة العراقية الحديثة، وإعادة قراءتها تعتبر ضرورة لإعادة تصحيح المسار، والقبول بالكرد كشركاء في بناء دولة قوية، أساسها، قبول الآخر، واحترام التاريخ والجغرافيا الموثقة، وتحويل التنوع في العراق، إلى مصدر استقرار وازدهار وتقدم.
No Result
View All Result