No Result
View All Result
يونس بهرام
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تعود الملفات التاريخية إلى الواجهة لا بوصفها صفحات من الماضي، بل كأدوات فعالة في صراعات الحاضر. ومن بين هذه الملفات يبرز موضوع الأوقاف العثمانية في سوريا، ليس كقضيةٍ عقارية أو دينية فحسب، بل كمفتاح لفهم تحولات أعمق تتعلق بالسيادة، والنفوذ، وإعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة.
منذ سقوط الدولة العثمانية المحتلة، استقر النظام الدولي على مبدأ الدولة القومية وحدودها السيادية، إلا أن الإرث الإمبراطوري لم يُمحَ بالكامل، بل أعاد إنتاج نفسه في صور متعددة: ثقافية، دينية، واقتصادية. وفي هذا السياق، تتقدم مؤسسات دينية رسمية مثل رئاسة الشؤون الدينية التركية كأحد أبرز أدوات الحضور التركي خارج حدوده الجغرافية، ضمن ما يُعرف بقوة النفوذ الناعم.
الجدل الدائر حول “الوقف العثماني” لا يتعلق فقط بإدارة ممتلكات دينية تاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك الحق في إعادة تعريف الملكية عبر الزمن؟ ففتح هذا الباب نظريًا يعني إعادة طرح ملفات معقدة تمتد من أسواق دمشق إلى أحياء حلب، وربما إلى أبعد من ذلك في الجغرافيا السورية.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حجم الأملاك، بل في منطق الاستدعاء ذاته: إذا أصبح التاريخ مرجعية قابلة للاستخدام السياسي، فإن حدوده تصبح غير قابلة للضبط، وهنا تُطرح أسئلة مقلقة: هل ينتهي الأمر عند استعادة عقارات؟ أم يمتد ـ نظريًا ـ إلى إعادة إنتاج أنماط نفوذ أوسع تُعيد للأذهان منطق الإمبراطوريات القديمة؟
في موازاة ذلك، تتجلى مفارقة لافتة: إذا كان من المشروع فتح ملف الأوقاف العثمانية خارج تركيا، فكيف يُقرأ ملف الأوقاف غير الإسلامية داخلها؟ هنا يبرز مثال “آيا صوفيا”، بوصفه رمزًا لتحولات السيادة والهوية، لا مجرد مبنى ديني. غير أن النقاش يكتسب بُعدًا أكثر حساسية حين يُستدعى نموذج عملي من التاريخ القريب:
فخلال فترات سابقة من حكم حافظ الأسد وبشار الأسد، كان يُسمح بدخول قوات تركية إلى الأراضي السوريّة بشكلٍ محدود ومحدد، لحراسة قبر سليمان شاه، استنادًا إلى ترتيباتٍ خاصة بين البلدين.
هذا المثال، رغم خصوصيته، يفتح بابًا لسؤال تحليلي أوسع:
إذا كان مبرر “الحماية” قد أتاح وجودًا عسكريًا محدودًا لحماية موقع واحد، فكيف يمكن أن يُقرأ ـ نظريًا ـ توسيع هذا المنطق ليشمل عشرات أو مئات المواقع تحت مسمى الأوقاف؟
وإلى أي مدى يمكن أن يتحول مفهوم “الحماية” من استثناء قانوني إلى أداة لتكريس حضور مستمر؟
في هذا السياق، لا يعود السؤال متعلقًا بعدد الجنود، بل بطبيعة القاعدة التي يتم تأسيسها:
هل نحن أمام حالات استثنائية محكومة باتفاقات محددة، أم أمام إمكانية توسيعها ضمن مقاربة جديدة للنفوذ؟
في موازاة ذلك، يبرز ملف المساءلة التاريخية كوجهٍ آخر لهذا الجدل، فبعض القراءات ترى أن استدعاء الإرث العثماني كمرجعية للملكية لا يمكن فصله عن إرث سياسي أوسع ارتبط بفترات حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وما يُروى عن صراعات وانتهاكات في مراحل متأخرة من الإمبراطورية. ومن هنا، يُطرح سؤال معاكس: إذا كان التاريخ يُستدعى للحقوق، فلماذا لا يُستدعى أيضًا للمساءلة؟
في المحصلة، لا يمكن فصل ملف الأوقاف العثمانية عن سياق أوسع من إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة، حيث يتقاطع التاريخ مع السياسة، والدين مع الجغرافيا، والرمز مع القوة. وبين هذه المستويات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام نزاع محدود على أملاك تاريخية، أم أمام إعادة إنتاج تدريجية لمنطق إمبراطوري بأدوات حديثة؟
في عالم لم يعد فيه الماضي مجرد ذاكرة، بل أداة سياسية، يصبح استدعاؤه فعلًا يحمل تبعات تتجاوز التاريخ وتطال مستقبل السيادة ذاته.
No Result
View All Result