No Result
View All Result
كوباني/ سلافا أحمد – في مشهد يختصر حكاية ألم طويلة، ارتفع صوت طفلة وسط حشود المتظاهرين في مدينة كوباني، وهي تبكي بحرقة وتردد: “أريد أبي” لم تكن كلماتها مجرد نداء عابر، بل صرخة تختصر معاناة المئات من العوائل في روج آفا.
في الحادي عشر من نيسان الجاري، وقفت الطفلة “عدولة مصطفى”، ثمانية أعوام، بين الحشود في المظاهرة التي نظمها مجلس عوائل الشهداء في كوباني ودموعها تنهمر على خديها، كأنها تحاول أن تسمع العالم صوتها الصغير الذي أثقله فقد أبيها.
صرخة طفلة تطالب بعودة والدها الأسير
فمع تجمع المئات من عوائل الأسرى والمعتقلين في ساحة التظاهرة، ارتفعت الهتافات المطالبة بكشف مصير أبنائهم والإفراج عنهم، وامتلأت الأيادي بصور الأسرى واللافتات بالشعارات التي تعبر عن الألم والانتظار وتطالب بعودتهم، ووسط تلك الأصوات، برز صوت صغير، رقيق، وموجع، اخترق ضجيج الحشود واستقر في القلوب.
“أريد أبي”، كانت هذه الكلمات التي تنطقها الطفلة “عدولة مصطفى” بتكرار، كفيلة أن تسكت ضجيج التظاهرة بأكملها، لتلفت أنظار الجميع عليها، وتختصر معاناتها بدموعها وصوتها الرقيق للمطالبة بحرية أبيها.
وقفت “عدولة” بين المتظاهرين، بملامح سمراء حزينة، ودموع تسيل دون توقف، وكأنها تروي حكاية غياب أطول من عمرها الصغير، لما تدرك ما يجري من التعقيدات والأحداث السياسة، لكنها تدرك شيئاً واحداً فقط “أن والدها ليس موجوداً وتريد عودته”.
والدها “مصطفى محمد رمو”، أُسر في مدينة صرين أثناء انسحاب قوات سوريا الديمقراطية منها، واعتقل من عناصر الحكومة السورية المؤقتة، وتحولت حياته إلى اسم يطالب في المظاهرات وصورة تحمل في الأيدي.
وتنحدر عائلة الأسير “مصطفى” من قرية “قراريشك” في الريف الجنوبي لمدينة كوباني، حيث كان يعيش حياة بسيطة ومستقرة مع أطفاله الستة، وكان يعني لأسرته أكثر من أب، فقد كان “المعيل، والحامي، وصاحب الحضور اليومي الذي يمنح البيت توازنه”، فيما تغير كل شيء مع غيابه.
وتأتي حكاية “مصطفى رمو” من بين آلاف القصص التي تعبر عن المعاناة التي تعيشها العائلات في مناطق روج آفا، حيث تتصاعد يوماً بعد يوم، مطالب عوائل الأسرى من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية لدى الحكومة السورية المؤقتة، هذه العائلات التي لا تتوانى دون المطالبة بحرية أبنائهم، فتخرج إلى الساحات وتنظم بشكل شبه يومي اعتصامات ومظاهرات، في محاولة للضغط على الرأي العام للكشف عن مصير أبنائها والإفراج عنهم. وفي الحادي عشر من نيسان، كانت كوباني واحدة من تلك الفعاليات، حيث نظم مجلس عوائل الشهداء مظاهرة حاشدة، شارك فيها الأهالي، حاملين صور الأسرى ولافتات تطالب بالحرية لهم، ولكن رغم كثرة الصور، بقيت صورة الطفلة “عدولة” وهي تبكي أكثر حضوراً، لأنها لم تكن مجرد صورة، بل حكاية حية، ومع كل فعالية، تتكرر مشاهد الألم، لكن أصوات الأطفال تبقى الأكثر تأثيراً، لأنها تعبر عن الحقيقة دون حواجز.
قالت “عدولة”، وهي تمسح دموعها بيديها الصغيرتين: “كل يوم أسأل أمي: متى سيأتي أبي؟ أريد أن يلعب معي، أريد أن يأخذني معه، مثل قبل، لا أعلم أين هو، وهل يطعمونه؟”.
وفي تلك المظاهرة، لم تكن “عدولة” وحدها من تنتظر، لكنها كانت الصرخة الأقوى، صوت صغير يحمل قضية كبيرة.
وفي نهاية التظاهرة، تفرق المتظاهرون، وعاد الكل إلى ديارهم، حاملين معهم الوجع ذاته، أما الطفلة “عدولة مصطفى”، فقد عادت، لكن بقي صوتها عالقاً في المكان، شاهداً على قصة معاناة لاتزال قائمة.
No Result
View All Result