No Result
View All Result
حمزة حرب
رغم التوصل إلى اتفاق 29 كانون الثاني كخطوة نحو تهدئة التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في دمشق، لا يزال التباطؤ في تنفيذ البند الخاص بملف الأسرى يشكّل العقبة الأبرز أمام إتمام تطبيق الاتفاق، فالتقدم في هذا الملف يسير بوتيرة بطيئة، وسط تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة. فرغم الدفعات الثلاثة التي مضت لا يزال الكثير من المفقودين والمغيبين والمحتجزين والمعتقلين في سجون الحكومة المؤقتة ينتظرون ساعة الإفراج عنهم، بعد تقلُّب موازين المصالح الدولية وحُوِّل من حارب الإرهاب أسرى بيد حكومة مؤقتة تقايض أبناء الشعب السوري بملفات سياسية تحولها مكاسب على الأرض.
تباطؤ يزعزع الثقة
اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني عام 2026 هو أشبه باتفاق الضرورة، التي لا مناص منها لإنقاذ السوريين من حمام الدم، ولذلك وصف بالاتفاق الشامل لوقف إطلاق النار، بما يشمل بدء مسار سياسي وأمني وعسكري متكامل لدمج المنطقة الشمالية الشرقية.
فالاتفاق تضمن العديد من البنود التي أيدتها شرائح واسعة من السوريين، ومن بينها إيقاف إطلاق النار فوراً، مع انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس واستبدالها بقوات الأمن الداخلي في مركزي مدينتي الحسكة وقامشلو إلى جانب دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية والبند الهام للسوريين هو عودة المهجرين وإطلاق سراح الأسرى.
فهذه الخطوات كانت ستمهد لإطلاق عملية دمج تدريجية، تشمل تشكيل فرقة عسكرية جديدة تتبع للجيش السوري وتضم ثلاثة ألوية من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، إضافة إلى لواء من قوات كوباني على أن تكون هذه الفرقة تابعة إدارياً لمحافظة حلب إلى جانب دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت وضع العاملين فيها، كما يشمل الاتفاق تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة المهجرين إلى مناطقهم وبالتالي الوصول إلى عملية الدمج الكاملة المنصوص عليها في الاتفاق.
الاتفاق الذي شكل بارقة أمل في شكله، فبدأ يواجه الكثير من العقبات خصوصاً بعد التباطؤ الكبير في ملفات هامة وحساسة مثل تبادل الأسرى الذي ما يكاد وصل إلى الدفعة الثالثة مؤخراً بعد أكثر من أربعة أشهر على الاتفاق الشامل، سيما وإن ذوي الأسرى والمحتجزين يريدون معرفة مصير أبنائهم المفقودين.
وفي هذا السياق؛ بين الحقوقي المختص بالقانون الدولي الدكتور “خالد جبر” خلال تصريحات خاصة لصحيفتنا: “ملف الأسرى مرتبط ارتباطاً كلياً بحقوق الإنسان، لكن للأسف الحكومة السورية المؤقتة تستخدم هذه الورقة لتحقيق مكاسب سياسية، وبات الأمر واضحاً، لكن ما لا يمكن نكرانه أن هذا الملف يرتبط ارتباطاً جذرياً بالاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وسوريا موقعة على كل الاتفاقيات ذات الصلة بهذا الخصوص”.
فبحسب الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، خلال اجتماع ضم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات في الحسكة، بينت أن ملف الأسرى لا يزال يواجه تحديات، معتبرة أن متابعة هذا الملف مسؤولية أخلاقية جماعية ستُطرح مجدداً في الاجتماعات القادمة مع الحكومة المؤقتة.
وفي العاشر من شهر نيسان الجاري أفرج عن نحو 400 أسير من “قسد” من سجون الحكومة المؤقتة، وسط مشاعر مختلطة بين الفرح والحزن، حيث لا تزال عائلات كثيرة بانتظار أبنائها، وعمد عدد من الأهالي إلى عرض صور أبنائهم على المفرج عنهم، على أمل الحصول على أي معلومات عن مصيرهم.
حقوق مسلوبة
هذه المشاهد فتحت الباب أمام روايات الأسرى، التي تحدثت عن حالات تعذيب وإهانة تعرض لها الأسرى في سجون الحكومة، وهو ما زاد قلق ذوي الأسرى، الذين ما زالوا ينتظرون خبراً عن أبنائهم؛ ما ينهي صفحة القلق والتوتر التي عاشوها شهوراً طويلة.
وبحسب شهادات عدد من الأسرى المفرج عنهم فإن الزنازين داخل السجون، فيه اكتظاظ شديد مع معاملة وصفوها بالسيئة، تضمنت الضرب والإهانة والتهديد بعدم الانضمام إلى “قسد” مجدداً، مع التحذير من أن إعادة اعتقالهم قد تعني عدم الإفراج عنهم مرة أخرى.
وأشار عدد من المفرج عنهم إلى أن بعض الأسرى انهم تعاملوا بأسلوب لا يليق بهم كأسرى لهم حقوق تحميهم وفق القوانين والأنظمة والأعراف، ورغم ذلك أكدوا تعرضهم للضرب والإهانة وسوء المعاملة، مشيرين إلى استمرار هذه الانتهاكات داخل السجون بحق من تبقى في الأسر داعين إلى الإسراع في إخراجهم.
الدكتور خالد جبر أشار بهذا الخصوص إلى أن “هؤلاء الأسرى هم سوريون، وهؤلاء ناضلوا لأجل شعبهم وحاربوا أعتى تنظيم إرهابي، وكسروا شوكة الإرهاب، واليوم يعاملون معاملة سيئة داخل السجون ويتم استخدامهم ورقة سياسية، أو لتحقيق مكاسب سياسية، وهذا الأمر منافٍ للمعايير الوطنية وانتهاك جسيم لمبادئ حقوق الإنسان وخرق مباشر لاتفاقيات جنيف الأربعة”.
هذه التفاصيل أثارت حفيظة ذوي الأسرى الذين خرجوا بتظاهرات حاشدة في عدة مناسبات مطالبين بضرورة الإفراج عن جميع الأسرى في سجون الحكومة المؤقتة، وكشف مصير المفقودين من ذويهم المعتقلين لدى الحكومة في مناطق شمال غربي سوريا.
فمن أبرز الشعارات التي رفعها ذوو الأسرى “أعيدوا لنا أسرانا” و”الأسرى خط أحمر”، في تعبير عن حالة الاستياء والقلق المتزايد حيال مصير أبنائهم الذين انقطعت أخبارهم عقب وقوعهم في الأسر خلال العمليات العسكرية أو الظروف الأمنية السابقة.
فملف تبادل الأسرى تؤكد مصاد حقوقية أنه يجب أن يكون الخطوة الأساسية لبناء الثقة وتخفيف معاناة مئات العائلات السورية التي لا تزال تجهل مصير أبنائها في المعتقلات ومراكز الاحتجاز، ناهيك أن مصير هؤلاء السوريين تحاول الحكومة أن تستغله لأغراض سياسية وإدارية، وهو ما يزعزع الثقة بين السوريين أنفسهم.
الثقة.. بوابة نجاح الاتفاق
أوساط سياسية ترى في هذا التباطؤ نتاج الاتفاقية بين دمشق وقسد، التي ربما تؤسس للحل السياسي في سوريا، بل ترتبط بترتيبات أمنية مرحلية، لأنه لا زال هناك عوائق عديدة أمام تحولها إلى مسار حل دائم، ومنها الخلاف المستمر حول طبيعة وشكل الدولة، بالإضافة إلى التدخلات التركية، والأيديولوجية المغلقة للحكومة المؤقتة.
فملف المعتقلين والمفقودين ورغم أنه شهد عرقلة وتباطؤاً، لكن هناك نوع من التقدم في تنفيذ بنود أخرى حيث جرى تعيين عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، كما تم إعادة نحو أكثر من 600 عائلة إلى الآن لعفرين وجرى فتح المزيد من الطرقات، لكن لا تزال هذه الاتفاقية غير مكتملة.
د. خالد جبر بين من جهته: “في الأساس لا يزال الإطار العام في سوريا غير واضح، ومنذ سقوط النظام السوري السابق لم تلتزم الحكومة المؤقتة بمعايير حقوق الإنسان وهذه معضلة جديدة، تهدد مفهوم بناء سوريا الجديدة؛ فلبناء سوريا يجب أن تبنى الثقة، وهذه الثقة لا يمكن أن تبنى مع متابعة ما عاناه الأسرى من تعذيب وتنكيل داخل معتقلات الحكومة”.
من منظور جيوسياسي، يبدو أن الحكومة المؤقتة تسعى لاستعادة تدريجية للسيطرة السيادية على مناطق كانت خارج نفوذها المباشر منذ سنوات، ومن هذا المنطلق نجد أن بناء الثقة لا يزال بعيد المنال في سوريا؛ لأن المشكلة لم تعد فقط في غياب الدولة، بل في غياب الثقة التي تُبنى عليها أي دولة، فعلى امتداد الجغرافيا المنقسمة من مدن الشمال إلى عمق الجنوب، لا يبدو أن الخلافات تدور فقط حول السلطة بل حول من يثق بمن وكيف يجب بناء الثقة بين هذه الأطراف.
فالحديث عن بناء الثقة لا يمكن إدراجه كما لو أنها بند يمكن إضافته إلى جدول الأعمال، لكن الكلمة أكبر من أن تُختصر في فقرة هي أشبه بشيء مفقود منذ زمن شيء، لا يُستعاد بالتوقيع بل بتراكم أفعال صغيرة لا يراها أحد، وعلى رأس هذه الأفعال وأولها هو معاملة السوريين بعضهم بروح وطنية رصينة.
فما يحدث في الداخل السوري لا يشجع على النهوض والبناء ففي الخارج لم يكن الناس ينتظرون بيانات رسمية، بل كانوا يبحثون عن إشارات أبسط معتقل يعود أو طريق يُفتح فبالنسبة لهم الثقة لم تكن مفهوماً سياسياً يدار أمام شاشات التلفزة بل تجربة يومية إما أن تُعاش أو لا تكون لكن للأسف لم يتغير الكثير.
عند هذه النقطة تحديدًا، يتضح أن بناء الدولة لا يبدأ من القرارات والمكاسب السياسية، ولا من الخطابات بل من لحظة مختلفة تماماً وهو ما يفتقده السوريون اليوم على الأرض، فملف الأسرى ومعاملتهم هو ليس ببعيد عن هذا السياق. إذ؛ يعتبر نواة بناء الثقة بين السوريين، لكن ما عانوا منه في معتقلات الحكومة، هو انعكاس حقيقي لواقع مقيت يعاني منه السوريون طيلة سنواتٍ منصرمة ولا يزال ينخر في جسد هذا البلد.
No Result
View All Result