قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات، وتعددت فيه الطرق، يقف الإنسان حائرًا يسأل: أين الحق؟ وأين السبيل إلى الله؟
تتزاحم الأقوال أمامه، وتتنوع الطقوس والصور، وكلٌّ يدّعي الصواب… فيثقل القلب، ويضيق الصدر، حتى يظن أن الحقيقة قد تفرّقت بين الناس. لكن؛ الحقيقة لم تتفرّق… بل تفرّقت القلوب عنها.
فالإنسان بفطرته يبحث عن الله، ويسعى لامتثال أمره وعبادته حق العبادة، لكنه قد ينفر من صورة مشوهة رآها، قسوة نُسبت إلى الدين، أو جهلٌ نطق باسمه، أو استغلالٌ تزيّن بشعاراته، فيظن أن الطريق مظلم، وأن الدين معيب، فيبتعد عن الحق وهو يظن أنه ينجو… بينما الحقيقة ثابتة لا تتغير.
الدين في صفائه نور، ولكن بعض الأيدي حرّفته، وبعض الألسنة أضلّت الناس بجهلها، فصار بعضهم حجابًا عن الحق بدل أن يكونوا أدلّة عليه. فاعلم يا أخي: ليس كل من تكلّم باسم الدين صادقًا، ولا كل من دلّ على الطريق سالكًا؛ فالكلام شيء، والحال شيء آخر، ومن جمع بينهما فقد صدق واهتدى. وهنا يكمن الخطأ الخفي: حين نحكم على النور بأخطاء حامليه، نخسر الطريق… لا لأن الحق ضلّ، بل لأن فهمنا له أخطأ.
إن الطريق إلى الله ليس متاهة، ولا الحقيقة بعيدة، بل هي أقرب مما نظن، وأوضح لمن طلبها بصدق. فالعائق الحقيقي ليس في الطريق، بل في قلبٍ أغلقه الهوى، وبيئةٍ شكّلته، وخوفٍ قيّده، وتقليدٍ منعه من السؤال وتمييز الحق من الباطل.
فابحث عن الحق بعقلٍ متدبّر، وقلبٍ صادق، واطلب الهداية من الله؛ فإنه لم يترك الإنسان تائهًا، بل بيّن له السبيل. لا تخلط بين الحق وأخطاء أهله، ولا ترفض النور لأن بعضهم أساء حمله. فمن صدق في طلب الله، وأخلص قصده، وسار بنورٍ لا بهواه… لن يضل، بل سيصل.
واذكر دائمًا: إن النور لا يُمحى، وأن الحق لا يزول، مهما أظلمت الصور، ومهما أخطأ الناس في حمله، فمن صفا قلبه، ونقَت نيته، وسار على الطريق بوعيٍ وهداية… أضاء الله قلبه باليقين.
فلا تيأس، ولا تخف… فالحق واضح لمن طلبه بصدق، والله أقرب إليك من قلبك، وأرحم بك من نفسك، يمدّك بالنور كلما صدقت في طلبه، وكلما عدت إليه.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل أخطاء الناس حجابًا بيننا وبين نورك، واهدِ قلوبنا إلى صراطك المستقيم، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلّين.