سيهانوك ديبو
الدولة واقعة فرعية أفقية أقحمت في المجتمع الذي هو ظاهرة طبيعية أفقية؛ لتصبح في أعلى هرم السلطة وتفرض ذاتها على المجتمع بشعوبه وثقافاته ومعتقداته المتعددة، لتصبح ممارسة سياسة التسلط أمراً مألوفاً، وهذا الأمر مناف تماماً لطبيعة المجتمع ومفهوم “الأمة الديمقراطية” للقائد عبد الله أوجلان وتطبقه شعوب روج آفا بريادة الشعب الكردي.
كانت النقلة النوعية في المجتمع الطبيعي إسقاط الحق الأمومي للمجتمع الوضعي وإعلاء هيمنة الذكر أو الرجل الماكر في مانفيستو المفكر عبد الله أوجلان عن تطور التاريخ وحركيته وتحديد الموقف من الدولة بالشكل الواقعي، وليس الدوغمائي وفق المفهوم البشري الأنسي، وأنه في نهاية المطاف سيجد الإنسان بأنه في غنى عنها. وهذا هو إعلاء لمفهوم البشر وليس مثالية تتحقق في أول فرصة، وهذا مفهوم يكون راصد للتاريخ ومآسيه وليس دعوة للفوضوية، وهذه دعوة بالنتيجة لأن تكون الدولة قبل أي شيء جهاز/ أجهزة تحقق أمن مواطنيها وتضمن سلامهم وتعزز استقرارهم.
الدولة ليست وصيّة على ما يملك الشعب، إنما تُدير شروط بقاء الملكية. لتحقيق مفهوم حقيقي اسمه “سيادة الدول من سيادة شعوبها”. وفي المرتبة الأخيرة السيادة تكمن في الحدود أو توسِّعها ضمن سرديات معينة؛ في غالبها أيديولوجيات دينية بالشكل الذي نلاحظه في الموروث الديني وبلاغه في الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى؛ مع كل المصفوفات الدولية الإقليمية الظاهرة والمستترة التي تقف ورائهما في اللحظة هذه.
هي مقدمة طويلة لكنها ضرورية تؤكد بأن الدول (في صيغة الشرق الأوسط لم تكن جالبة للخير). هذا موقف نقدي من إقحام شكل الدولة المركزية في الشرق الأوسط في لحظة هيمنة عالمية في الحرب العالمية الأولى أنهت وقتها شكل الإمبراطوريات بشكلٍ كلي؛ رغم انتصار إمبراطوريات الحلفاء على إمبراطوريات المحور.
برزت الدولة القومية المركزية في الشرق الأوسط دون علم شعوبها، وفرضت عليهم خرائط ودساتير وهويات وحروب من خلال الدولة القومية المركزية وعبرها منذ ذلك الوقت حتى اللحظة. وكان من الممكن جداً قيام دولة كردية مركزية تُفرض بالسويّة نفسها التي فرضت كم كبير ضمن هندسات جغرافية سميت ومنحت لها شرعية الدولة.
تم استثناء الكرد قبل نحو مئة عام من ذلك لأسبابٍ ليس لها أي علاقة بتأخر الوعي القومي الكردي (ربما كان ذاك متقدماً على غيره من الشعوب الأخرى)، وليس لها العلاقة بتناحر كردي كردي كما يُشاع، وليس لسوء علاقة مع شعوب المنطقة وخاصةً العرب (ارجع لمراسلات حسين مكماهون الـ 16 تجد بأن جغرافية كردستان المعروفة كانت خارج هذه المراسلات). لها علاقة بمنطق دول الهيمنة وإدارة أزمات الشرق الأوسط، ولها زاوية غير منفصلة مما جرى في العصر الوسيط وتعثّر الحروب الصليبية، وربما إصرار صلاح الدين الأيوبي أن تبقى القدس لليهود والمسيحيين والمسلمين بإدارة واضحة منهم على عكس ترتيبات كثيرة خارجية وحتى داخلية سببت تفارقاً وعدم فهمٍ واضح لصلاح الدين الأيوبي حتى اللحظة؛ وهذا موضوع يحتاج إلى مبحث أو كتاب ربما.
حروب الشرق لن تنتهي؛ طالما حلولها الذاتية مؤجلة، والحرب في مثالها الإيراني ستنتهي في وقتٍ يناسب لحظة التطور التي تنتج وقتها مفاهيم تناسبها بالضرورة.
لقد أنهت الحرب العالمية الأولى مفهوم الإمبراطوريات لصالح الدول القومية. ربما من المرجح جداً ـ متسلسلاً- إننا في مرحلة انتقالية تشكل مخاضٍ يتم الاستعداد لمرحلة ما بعد الدولة القومية المركزية. هل نحن أمام مرحلة الدولة متعددة الوطنيات، أو المدن العملاقة التي أشرت إليها في مقالٍ سابق قبل نحو خمس سنوات؟
أياً يكن، فإن الدولة متعددة الوطنيات قد تعد اللحظة مثالاً قابلاً للاستمرار إن تخلت فيها عن أي تزمت ديني أو قومي أو أيديولوجي وانحيازها إلى خصائصها القومية. وقتها تكون فرص الاندماج وفيرة موفورة طالما تستند إلى عقدٍ اجتماعي “دستور وطني”، ومرحلة انتقالية كاملة الصلاحيات، ومسائل لا تقل أهمية عنها في مقدمتها إيجاد حل ديمقراطي عادل ودستوري للقضية الكردية بشكلٍ كلي.