محمد عبدو
قبل حوالي 2506 عام، وقف 300 إسبارطي بقيادة الملك ليونيداس في مضيق ترموبيل، يواجهون جيشاً فارسياً يفوقهم عدداً وعدة بأكثر من ألف مرة، وبالرغم من أن المنطق والمؤشرات وحتى الغريزة كانت تؤكد بأنهم لن يستطيعوا تحقيق الانتصار، إلا أنهم رفضوا الانسحاب مفضلين الموت على أن يصفهم التاريخ بالجنباء ليخلّد صمودهم كرمزٍ للتضحية والبطولة، بأقلام أبرز المؤرخين وعلى رأسهم أبو التاريخ هيرودوت.
ففي عام 480 قبل الميلاد، اجتاح الملك الفارسي زركسيس اليونان بجيشٍ ضخم، فاختار ليونيداس ملك إسبارطة أن يقف مع ثلاثمائة من رجاله في مضيق ترموبيل الضيق، كان الموقع حصيناً، يسمح لقلة من المقاتلين بمواجهة كثرة عظمى. ورغم أن المعركة انتهت بمقتل ليونيداس ورجاله، إلا أن صمودهم ألهم اليونان جميعاً، وأصبح رمزاً للتضحية في سبيل الحرية.
وبدءاً من مقولة التاريخ يُعيد نفسه وفي زمننا المعاصر، تكررت هذه الملحمة، مع تغيير طفيف في المسميات فبدلاً من إسبارطة كانت الشيخ مقصود، وبدلاً من الإسبارطيين كانوا مقاتلي الأسايش حاضرين، وبدلاً من الملك ليونيداس كان القيادي الشهيد زياد حلب ورفاقه، حيث صمد ثلاثمائة مقاتل من الأسايش في وجه هجمات شنتها عناصر الحكومة المؤقتة، ليكتبوا صفحة جديدة في سجل المقاومة.
ففي قلب مدينة حلب، وجد حي الشيخ مقصود نفسه محاصراً، حيث لم يتجاوز عدد المدافعين عنه ثلاثمائة مقاتل من الأسايش، واجهوا ظروفاً قاسية، نقصاً في الموارد، وضغطاً عسكرياً هائلاً، لكنهم صمدوا لأيامٍ وليالي في وجه التفوق العددي، محافظين على الحي ومجتمعه مثلما فعل الإسبارطيون، لم يكن دفاعهم مجرد معركة عسكرية، بل كان رسالةً رمزية عن الإرادة والهوية. ويمكن تلخيص أوجه التشابه بين الملحمتين بدءاً من العدد الرمزي 300 مقاتلاً في كلا الملحمتين، أصبح الرقم رمزاً للصمود أمام التفوّق العددي.
مروراً بالموقع الحصين فمضيق ترموبيل الضيق الذي اختاره الإسابرطيون للقتال سمح لهم بمرور عدد قليل من المهاجمين لتسهيل التعامل معهم، يقابله حي الشيخ مقصود ذي المداخل المحدودة، والمتربع على هضبة تعتبر الأعلى في مدينة حلب وكأنما تحول لقلعةٍ طبيعية أعطت المدافعين امتيازاً إضافياً.
أما البعد المعنوي فيمكن الإشارة إليه عبر نقطة جوهرية وهي تحول تضحية الإسبارطيين لرمزٍ حيٍّ على صون الهوية اليونانية عبر الزمكان، أما تضحية مقاتلي الشيخ مقصود فتحولت لنقطة فارقة أسهمت في توحيد الصفوف الكردستانية وهو الأمر الذي عجزت كل الأحزاب عن القيام به.
إن خيار التضحية حتى النهاية الذي انتهجه كلا الفريقين وهم يدركون أن المعركة غير متكافئة، تجعل مركز العقل التحليلي وهو العقل أبكماً، وتؤكد أن للقلب أو محور الذكاء العاطفي الكلمة الأخيرة بالنسبة لشعوب العالم القديم.
كلا الملحمتين تجاوزتا حدود المعركة العسكرية لتصبحان رمزاً لهوية جامعة، الإسبارطيون جسّدوا فكرة التضحية من أجل اليونان، ومقاتلو الشيخ مقصود جسّدوا فكرة الدفاع عن المجتمع والوجود الكردي في حلب، في الحالتين، تحولت المعركة إلى أسطورة تُروى للأجيال، وتُستحضر كلما ذُكر معنى الصمود.
فمن ترموبيل إلى الشيخ مقصود، يتكرر التاريخ بأشكالٍ مختلفة، لكن الرسالة تبقى واحدة، وهي أن البطولة ليست حكراً على الماضي، وأن الإرادة قادرة على تحويل قلة من الأشخاص إلى رمزٍ خالد، فالرقم (300) لم يعد مجرد عدد، بل أصبح عنواناً للتضحية والكرامة، سواء في أسطورة إسبارطة القديمة أو في واقع حي الشيخ مقصود المعاصر.