No Result
View All Result
سوزدار رزكار
خلف كل حرب جرحٌ لا يلتئم يسمى “الأسرى”، هنا تتحول بسالة المقاوم من ميادين القتال إلى ملحمةٍ من الصمود الأسطوري خلف القضبان، يحمي ما تبقى من الأمل والصبر.
قد أكتب الكثير بفيضٍ من العاطفة، لكنني أجد أبجديتي قاصرة أمام جلال الشعور الذي يعيشه الأهالي، “الأمهات، الآباء، الأخوات والزوجات” لحظة عناق أحرارهم العائدين من غياهب الأسر.
لحظة معانقة الحرية من أكثر اللحظات تأثيراً في الوجدان الشعبي، فخلف كل أسير عائد من قيد السجون قصة صمود خطّها بإرادته بين جدرانه، هنا ندرك أنه حين تنفتح أبواب المعتقلات لا يخرج المحتجزون فحسب، بل تولد من جديد آمال عائلات بأكملها ظلت معلقة بين اليقين والشك لسنوات طويلة.
لعلي أستذكرُ هنا أولى قوافل الإفراج عن الأسرى في نيسان 2025 في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تلك اللحظة التي استنشق فيها الأسرى والأسيرات نسيم حريةٍ طال انتظارها، مزجت بين أمل وخوف الأمهات اللواتي أرهقهنَّ النظر وهنَّ يبحثنَ عن وجوه أبنائهنَّ بين القادمين.
مجدداً يوم وصول قوافل الأسرى، كانت كل الأمهات يراقبن موكب حافلات الأسرى بعيونٍ أرهقها الانتظار، ينادين بأسماء أبنائهنَّ في فضاءٍ يملؤه الضجيج واللهفة، وفي غمرة ذلك الزحام، كانت اللحظات تمرُّ ثقيلةً على قلب أمٍ خفق بقوةٍ بين احتمالات اللقاء وفزع الفقد، تترقب بصيص أملٍ يجمعها بفلذة كبدها في عملية التبادل هذه، وتخشى في آنٍ واحد أن تنتهي القوافل وتمرَّ آخر حافلة دون أن تحظى بعناقهما.
أبناء الشمس والنار، أحفاد “كاوا” و”مظلوم”، عادوا اليوم من الغياب إلى الحرية، حاملين في صدورهم عبء البقاء، ورغم أن الملامح قد نالت منها السنون وتغيرت، إلا إن أرواحهم وذاكرتهم ما زالت على صلابتها، تنبض بالوفاء لقضيتهم، وتؤكد أن قيد السجان لم يكسر فيهم كبرياء الانتماء.
المشاهد التي غصت بها مواقع التواصل لعمليات تحرر الأسرى في الحسكة، تتجاوز حدود العقل الطبيعي، لولا أنها برهنت بالدليل القاطع أن إرادة الإنسان هي القوة الوحيدة القادرة على صهر المستحيل.
والملفت في كل مرة من عمليات التبادل، هو ظهور شبابٍ أُعلنت شهادتهم قبل سنوات، هي تلك الوجوه التي ظنوها ارتقَت، ذُرفت عليهم الدموع وأُقيمت لهم مراسم العزاء، لكنهم كانوا يصارعون في غياهب السجون، فإذ بالقدر يخبئهم ليعودوا أحياءً، لتتحول دموع الفقد إلى دموع فرحٍ بلقياهم، هؤلاء لم يموتوا، بل وُلدوا اليوم من جديد، فصار لكل منهم ميلادان “يوم مجيئه إلى الدنيا، ويوم تحرره من قيد السجن”.
لقد حفر العائدون في ذهن كل منا حكايةً مطرزةً بالأمل، فبينما كان أحدهم يردد بذهول: “لم أكن أصدق أنني سأعانق أطفالي مجدداً”، كان آخر يضم زوجته بكل ما أُوتي من قوةٍ صمد بها خلف القضبان، وهناك، في زاويةٍ أخرى، تجسد الفرح في وجه أبٍ وهو يهاتف ابنته في “الشيخ مقصود”، يغالب دموعه وهو يناديها: “بابا.. بابا”، بينما انشغل آخرون بزفّ بشائر الخير عن رفاقٍ لهم ما زالوا على قيد الحياة لعائلاتهم وأصدقائهم.
أما الأسيرات، فكانت لهنَّ حكاية أخرى من الكبرياء، فمنهنَّ من لم تكفَّ عن الضحك وهي ترفع إشارة النصر، وأخرى صرخت باسم مدينتها “عامودا” فخراً حين سُئلت من أين أنتِ؟ وهي تعانق أخاها وأمها بكل ما تملك من لهفة.
الحكاية لم تنتهِ هنا، فما زال المئات من الشباب والشابات يقبعون في غياهب السجون منذ أعوام طويلة دون أن يُبصروا نور الحرية بعد، ما زالت عائلاتهم كحال الكثيرين ينسجون خيوط حياتهم بالصبر المعهود، يحدوهم الأمل في عودة فقيدهم إلى أحضانهم، وهذا ما ينادي به الشعب في تظاهراتهم واحتجاجاتهم اليومية بمدن قامشلو والحسكة، حيث يرفعون صور أبنائهم فوق صدورهم وتصدح حناجرهم بصرخة واحدة: “نريد أبناءنا.. أريد ابني، أريد أبي الأسير، أريد زوجي، أريد شقيقي وشقيقتي”.
السلامة لكل من عانق الحرية، ونسأل الله أن يكون البقية بخير، وأن يعود كل أسير ومختطف ومفقود إلى أحضان أهله سالماً.
No Result
View All Result