No Result
View All Result
جوان عبدال
يمكن عد السير من الموروث الشعبي، لأن فيها من الطوطمية والتأليه الكثير للأجداد المقدسين تمجيدا لها وانبهارا بها، وفيها الكثير من ملاحم الغارات والغزوات وحروب القبائل والتفاخر بالأنساب وتمجيد الفروسية والتغلب على الغير، وفيها خوارق وأناس عمالقة وسحرة، وفيها منظومة قيم وعادات وتقاليد مرهونة ببيئتها، كل ذلك ضمن إطار سرد فني /على الأقل/ وقد يظهر هذا الجانب التراثي بعضا من الجانب التاريخي أيضا، فهذه الملاحم الشعبية الجمعية قد تؤرخ لهجرات القبائل وحروبها في دفع السبي والنهب والقتل دفاعا.. أو مجبرا للبحث عن الكلأ والعيش في بيئة تبيح ذلك.
كل هذه تشكل بمجملها الموروث الموغل في القدم تناقلتها أجيال متعاقبة في الوجدان الجمعي حول معتقدات الخير والشر، فيها الخيال يمزج الحقيقة بالخرافة والغرابة والخوارق والغيلان وتنانين وعنقاوات وجدود جبابرة.. معللة الأسرار الخفية للحياة والوجود، والظواهر الطبيعية وأسرار الكون في أسلوب قصصي.
كما تقارب هذه السير أيضا الملاحم العظيمة عند الشعوب الأخرى، كالإلياذة والأوديسة اليونانيتين، والمهاباراتا والراميانا الهنديتين، والإلياذة الرومانية والشهنامة الفارسية، وثمة أيضا ملاحم اسكندنافية كـ كليفالا، وجرمانية كـ “سيكفريد”، وسلافية كـ “البلينا”، والقوقازية كـ “ملاحم نارت” الخ. إضافة إلى سير مثل سيرة ماه بري من الأدب الفارسي القديم، بيوولف في إنكلترا، وأنشودة رولان في فرنسا، والسيد في إسبانيا، وفي ألمانيا العمل الملحمي هيليند أي (المُخلِّص)، هذه الملاحم لا يُعرف مؤلفوها، ويمكن عد جلجامش من الملاحم العظيمة أيضا.
وهكذا انتقلت الأساطير الشعبية والقصص الخرافية وتمازجت مع الحقيقة، فأصبح المحكي مكتوبا، والعادي مقدسا، مدرجة الفضائل السامية والقيم الخيرة، وأخلاق الفروسية والبطولة وعادات الثأر وأخذ الحيف، مهيأة الفرد وبسطاء الناس المهمشين المضطهدين تعويضا عن الواقع المر، وكذلك تهيئته للدفاع عن حياض الوطن وأخوة الشعب ورد الغزو بشرف ومروءة. 
الحكواتي والحكواتية
لقد ارتبطت هذه السير بالأخص بالحكواتي والحكواتية، وكان يتم ذلك في حواضر المدن الكبرى مثل دمشق والقاهرة وحلب في المجالس والمقاهي لجمهور ساهر حتى أصبحت وسيلة من وسائل المتعة والتسلية والسهر، وكان هذا يعني للجمهور احتفالية وبطولة ونصر ورجولة وبهاء…
وأصل الكلمة عامية منحوتة فعل حكى، أي قائل الحكاية، أي الراوي والقائل والقاص، ويمكننا متابعة ما يرادفها فنقول عن متناولي الأحاديث والأسمار والطرائف والأخبار ومغازي البطولات إلخ.. والحكاية ترادف القصة تماما.. فالحكاية تقال شفويا، وأما القصة لا تقال بل تكتب وتدون.
وكان للمنشد الحكواتي المحترف -المسمى باسم الشاعر في مصر- في هذه السير طقس خاص بالإلقاء، فيلون صوته وأداءه طبقا لطبائع الأشخاص وحسب المواقف. وكان له عدة الحرب كالسيف والترس والرمح والصولجان وما شابه من لوازم ويرافقه العزف على الربابة. فيتربع في صدر المكان وهو مكان عام مثل مقهى أو مضيفة أو أسواق أو منتدى ما، ويكون الحكواتي عادة رجلا جهوري الصوت فصيح النطق. ويعتمد في السرد على طريقة الرواة، رغم أنها قصص تخرج من موضوع لتدخل في آخر، فما يقدمه (الحكواتي – الأدباتي) يعتمد على التشويق والانبهار وحبس الأنفاس، فيلقيها مجزأة أو مسلسلة، لزيادة التسلية والاستمتاع..
والراجح إن القصاص الشعبي (القاص الشعبي) هذا كان متخصصا في ترتيل هذه السير، ويمهد لأحداثها حتى أنه يمثل القول والحركة ويقلد الأصوات كموهبة بحد ذاتها، ويصطنع الربابة وقد يستعين بآخر عند إنشاد الشعر وتمثيل الضرب والأصوات. وهكذا نجده يبدأ القول بعد التنحنح والصلاة على النبي:
“قال الرواي وهو الديناري رحمه الله: إنه كان من قديم الزمان وسالف العصر والأوان….
وكذلك: قال الراوي يا سادة يا كرام. وأيضا: كان يا مكان في قديم الزمان وكل آن.
وأصبحت هذه لازمة لابد منها حتى تشد انتباه الجمهور-السامع وألَّا يذهب بعيدا مثلا. وثمة لازمة أخرى (عاشق النبي يصلي عليه) و(صلي على النبي وزيد النبي صلا)، وهذه اللوازم تأتي كي يأخذ الحكواتي فاصلا يجمع فيه تسلسل أفكاره ويجمع شتات موضوعه ومن ثم يلتقط أنفاسه، وأيضا يشد انتباه الجمهور للمشاركة في قول ما يخرجه من إيقاعه وروتينه.
وكان الحكواتي هذا يتفنن في جذب الجمهور، وشد انتباهه، وتشويقه بالحركات وتلوين الأصوات، حيث يتمركز في مقهى شعبي، ويلتم -في عصر لم يكن فيه تسلية أو مكان عام يقضي فيها المرء وقته وألقه- فكانت الناس تتجمع في هذه الأماكن، فكان يتربع الحكواتي ويجزأ السرد -في سيرة ما- على ليالٍ عدة قد تطول وقد تقصر، مع شرب الشاي أو غيره وتدخين النرجيلة وغيرها.. فيهتاج الجمهور ويتفاعل مع صوت المؤدي، ومع سرد السيرة، ومع الشخصية البطلة.. الله يا بطل ويا كايد الأعادي.
وقد يكون الحكواتي أميا فيتربع على منصة ويتلو من أخبار هذه السير الكثير، فقد ذكر الشيخ البديري في “حوادث دمشق اليومية” المدونة منذ 1741-1762م، وهو يترجم لأستاذه الذي علمه صنعة الحلاقة سليمان بن الحشيش الحكواتي حين توفي عام1742م. فقال: (كان فريد عصره ووحيدا في أوانه، وكان يحكي سيرة الظاهر وعنترة وسيف، ونوادر غريبة في التركي والعربي ومع ذلك فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب…) ص334.
وإذ نقول إن هذه السير كانت تتلى في مجامع من الجمهور، لا يعني أن أحدا لم يقتنِ الكتب ويقرأها في المنازل وقت الفراغ.. والآن هذه الكتب تباع في طبعات شعبية على الأرصفة وأسوار الحدائق في حواضر المدن بأسعار مهاودة، وذلك لشعبيتها ورواجها.
أهم السير
والآن بودنا هنا أن نستشهد بأبرز السير المتداولة شعبيا على مدى قرون وعقود من السنين، وسنذكر أربع منها بشكل مختصر:
ـ سيرة بني هلال:
وأبو زيد شخصية خيالية بالتأكيد حيث لم نجد له ترجمة. ولكن؛ المعروف أنه أحد أهم الأبطال في تغريبة بني هلال الموضوعة عن هجرة قبيلة الهلالية نحو الغرب إلى مصر ثم إلى المغرب.
وسيرة بني هلال قصة شعبية طويلة، مكتوبة بالنثر والشعر، ولكن الشعر يحكي جميع تفاصيلها وأحداثا عكس سيرة الظاهر بيبرس المشغولة بالنثر أكثر. ذاعت في العالم العربي بأسره، وما تزال تجلب الاهتمام إلى اليوم، وهي من ملاحم الفروسية المعروفة في القرون الوسطى، تتحدث عن هجرة قبائل عربية قيسية من اليمن إلى نجد، ثم إلى المغرب عن طريق مصر، تغلبت القبيلة الهلالية على سائر القبائل القيسية فيها، وبصفة عامة نرى أن لها ظلا كبيرا من الواقع التاريخي، وإن أضفى عليها الخيال الشعبي ثوبا فضفاضا باعد بين الأحداث وبين واقعها، وبالغ في رسم الشخصيات، ومحورها الصراع بين الهلالية وبين الزناتي خليفة في تونس.
وتنقسم إلى قسمين رئيسين، أولهما يحكي ريادة الطريق إلى بلاد المغرب ويعرف بالريادة. وقد نهض بالأحداث فيه البطل المشهور أبوزيد الهلالي مع أبناء أخته، يحيى ومرعي ويونس، وهم من الفتيان الأوائل في القبيلة، ومرورا في طريق التغريب بأحداث وأهوال، فتنكروا في زي الشعراء الجوالين، قبض عليهم وحبسوا في تونس ثم استطاع أبوزيد أن يفر من محبسه، وأن يعود إلى القبيلة في نجد، يستنفرها لتخليص الأسرى الثلاثة، وهنا يبدأ القسم الثاني الكبير من الملحمة.. ويعرف باسم التغريبة، وتتلاحق فيه الأحداث والوقائع، وتصد القبيلة عن أبواب تونس، ويبلغ الصراع ذروته، ثم تنفذ إلى المدينة بالحيلة، ويتم لها التغلب على عدوها، ويبلغ غايتها في الظفر بالقلاع والتخوم، وتواصل سيرها الظافر إلى مدينة فاس، وهناك قسم يلحق بهذين القسمين ينهض بالأحداث فيه أبناء الأبطال، وأشهر أبطال بني هلال في هذه الملحمة: أبوزيد بن زريق، ودياب بن غانم، والحسن بن سرحان، وتذكر إلى جانبهم الجازية.. وأشهر الأسماء في معسكر الخصوم هو الخليفة الزناتي، ويذكر اسم ابنته سعدى لما قامت به من تمكين بني هلال من النصر.
وقد قسم المستشرقون هذه الملحمة على أساس الأقاليم التي حدثت الوقائع فيها، كاليمن ونجد ومصر وبلاد المغرب، ولكن تقسيمها على الأساس الحيوي أقرب إلى المنطق، ففيها حلقة كبيرة عن الأنساب، وبخاصة عن آباء الأبطال، مثل سرحان ورزق وغانم ومن إليهم، وحلقة كبيرة أخرى عن الأبطال أنفسهم، أما الحلقة الثالثة فتحكي وقائع الأبناء الذين عرفوا في السيرة بالأيتام، وعرف أهل الصنعة من المنشدين المحترفين أقسامها باسم الدواوين، ومنها ديوان مصر وديوان الأمير علي أبي الهيجات، وتكاد تتحد الوقائع في مختلف الروايات بالعالم العربي، ولا تختلف إلا باختلاف اللهجات وبعض التفاصيل. اهتم المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون ببني هلال وسجل وقائعهم وبخاصة في بلاد المغرب، ورأى بنفسه أعقابهم وتتبع أنسابهم كما عنى بالسيرة الشعبية عنهم، وذكر إن عاطفة الحب الزوجي بين الجازية وشكر صاحب مكة تزري بحب ليل للمجنون، وأورد في ختام مقدمته شواهد من أشعار الهلالية باللهجة المغربية الشعبية، اهتم المستشرقون بهذه الملحمة أمثال (رينه باسيه) و(هوت سمه) وهاوتمان وغيرهم، كما قام بدراستها باحثون من العرب أيضا في مصر والعراق والمغرب.
ـ سيرة سيف بن ذي يزن:
تكاد تكون شخصية سيف بن ذي يزن خيالية، وإن كان ثمة دراسات ترجح وجود شخصية موغلة في القدم بهذا الاسم. ولكن ليس كما نجد في سيرة عنترة بن شداد والظاهر بيبرس. ودرسها بعض المستشرقين وبعض العرب أيضا لأهميتها وشأنها. ولكن ثمة تخريجة له: سيف بن ذي يزن: ملك يمني حميري عاش 516-574 من أحفاد الملك ذمار علي ملك السبيئة الموحدة، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن.
والسيرة قصة شعبية تتحدث عن البطل اليمني سيف بن ذي يزن الذي كان سليل بيت من ملوك حمير، وقد احتفلت المخيلة الشعبية به، لما كان له من شان عظيم في التاريخ القومي العربي، إذ يعود إليه الفضل في طرد الأحباش من جنوب بلا العرب، بعد أن ظلوا غالبين عليه منذ عهد ذي نواس، وتذهب بعض الروايات إلى أن سيف بن ذي يزن تغلب على الأحباش بمساعدة الملك الفارسي كسرى أنوشروان، وأطاح بحكمهم على اليمن، وبسط سلطانه على أرض أجداده في ظل الحماية الفارسية، ويرجح الباحثون إن انتصاره هذا يمكن أن يرجع إلى سنة 570 أو نحوها، وينسب هذا الانتصار خطأً إلى ابن سيف بن معد يكرب.
وتحتل سيرة سيف بن ذي يزن مكانا بارزا بين السير الشعبية العربية بسبب نضاله القومي الموفق ضد الأحباش، ولقد أفاد الدارسون من اسم ملك الأحباش في هذه السيرة وهو سيف أرعد ليثبتوا بداية نشأة السيرة، فإن اسم هذا الملك يطابق اسم ملك حبشي حكم بالفعل (1344-1372) واستنتجوا من هذه الحقيقة أن نسخ السيرة الموجودة الآن ترجع إلى القرن 15 ولا يمكن أن ترجع إلى ما قبل نهاية القرن 14 ولا يستبعد ذلك إن القصة برمتها قد نشأت في ذلك العهد. والراجح أن نشأة السيرة هو مصر ـ بل القاهرة- تدل على ذلك أسماء الأشخاص والأماكن الكثيرة التي تشير جميعها إلى مواضع معظمها في مصر. موضوع السيرة هو الصراع بين العرب وبين الأحباش والزنوج، وسيف بن ذي يزن يرهص بالإسلام ويؤمن بالتوحيد، وقد استحدثت السيرة العلاقة هذه بين سيف وبين النبي إبراهيم، وفيها آثار افريقية ظاهرة وتكثر الخوارق في أحداثها، ويستعان عليها بكرامة الولي وسحر الساحر، وأضفى الخيال الشعبي عليها ثوبا فضفاضا خرج بوقائعها من إطار الممكن والمعقول، وفيها قصص عن نشأة المدن المشهورة والأماكن والعمائر ومجيء نهر النيل إلى مصر وغير ذلك مما يدخل في باب الأساطير والخرافات، وفيها أيضا وصف للرحلات والمغامرات إلى الأصقاع والمصائر البعيدة التي قام بها سيف بن ذي يزن وأولاده وفرسانه والأرواح المسخرة له، وفيها أيضاً قصص حبه.. وحب غيره، وتستغرق العجائب والكنوز وأعمال السحر جانبا كبيرا من السيرة. وفيها ردح من أعمال السحر والخوارق الكثير المشوّق.
طبعت هذه السيرة مرات عديدة وهي تقع في 17 جزءاً وتعد من أفضل 100 كتاب مؤلف.
No Result
View All Result