No Result
View All Result
إسحاق الشعير
لم تكن الهدنة التي أُعلنت فجر الثامن من نيسان 2026، بين المثلث المشتعل (واشنطن، تل أبيب، وطهران)، سوى استراحة محارب في حلبة ضاقت بساكنيها. اليوم، ومع اصطدام أولى محاولات التفاهم في “إسلام آباد” بجدار الشروط المتبادلة، يتأكد للعالم أن الأزمة ليست مجرد “اشتباك حدود” أو “تراشق صواريخ”، بل هي مخاض عسير لولادة نظام إقليمي ودولي جديد.
مخاض العاصفة وفشل “إسلام آباد”
لقد جاء الفشل السريع للمفاوضات ليثبت أن الفجوة بين “النقاط العشر” الإيرانية وبين المطالب الأمريكية الإسرائيلية ليست سياسية فحسب، بل هي فجوة وجودية تتعلق بهوية القوة في هذا الجزء الحيوي من العالم.
بوتين ونهاية عصر “القطب الأوحد”
في هذا السياق المأزوم، تبرز تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كقراءة واقعية لمستقبل التوازنات العالمية. فحين يؤكد بوتين إن زمن القطب الواحد قد ولى إلى غير رجعة، وإنه “لا يمكن لأحد أن يكون لوحده قطباً قوياً في العالم”، فهو لا يصف رغبة روسيّة فحسب، بل يقرأ تحولات الميدان في الشرق الأوسط.
إن عجز القوة العسكرية الغاشمة عن حسم الصراع في شباط الماضي، واضطرار القوى الكبرى للجلوس خلف طاولة مفاوضات “هشة”، هو الدليل القاطع على أن مراكز القوى قد تعددت، وإن “الهيمنة المطلقة” باتت إرثاً من الماضي.
“إن التعددية القطبية لم تعد خياراً سياسياً، بل هي واقع تفرضه موازين القوى الجديدة التي تشكلت فوق أنقاض الصراعات الممتدة.” ـ مستوحى من تصريحات الكرملين (نيسان 2026).
الكرد.. الرقم الصعب في معادلة البقاء
وسط هذا الركام السياسي والتقسيمات الجديدة التي تفرضها المتغيرات على أرض الواقع، يبرز الشعب الكردي كأحد أكثر الأرقام صعوبةً في معادلة “الشرق الأوسط الجديد”. بينما تتصارع العواصم الكبرى، أثبت الكرد إنهم ليسوا مجرد “أداة وظيفية” في صراعات الآخرين، بل هم شريك أصيل وصاحب حق تاريخي في تقرير مصير منطقتهم.
لقد تجاوز الدور الكردي حدود البندقية، ليتحول إلى مشروع سياسي يطرح اللامركزية والتعددية كبديلٍ وحيد للدول المركزية التي تآكلت شرعيتها. إن التجربة الكردية، وبالأخص في مقاطعة الجزيرة؛ قدمت نموذجاً للإدارة الذاتية التي تجمع بين الكرد والمسيحيين والشعوب الأخرى، متحديةً بذلك مفاهيم “الوحدة الوطنية” الزائفة التي طالما استخدمت كغطاءٍ لسياسات التعريب والتغيير الديمغرافي.
اليوم، في ظل التفاهمات الدولية المتعثرة، يجد الكرد أنفسهم في قلب التوازن الإقليمي؛ فهم القوة التي لا يمكن تجاوزها، والرقم الذي لا تستقيم أي معادلة استقرار بدونه.
نحو جغرافيا بلا قيود
إن ما نشهده اليوم من فشل المفاوضات ليس نهاية المطاف، بل هو إعلان عن بدء مرحلة جديدة من “الواقعية السياسية”. الشرق الأوسط الذي عرفناه عبر خرائط “سايكس – بيكو” يتلاشى، ليحل محله شرق أوسط تُكتب خرائطه بدماء الميدان وتطلعات الشعوب التواقة للحرية.
وبين قطبية عالمية تتصارع، وقوى إقليمية تتهاوى، يبقى الرهان على القوى الحية التي أثبتت جدارتها بالبقاء، وفي مقدمتها الشعب الكردي الذي سيظل دائماً، رغم كل التحديات، الرقم الأصعب في كتاب الجغرافيا القادم.
No Result
View All Result