No Result
View All Result
الكساندرا محمد
سؤالٌ وجوديٌّ يَنبغي أن نطرحه على أنفسِنا في كلِّ يومٍ من روتينِنا اليوميّ والحياتيّ، لا على سبيلِ الترفِ الفكريّ، بل بوصفِه مراجعةً حقيقيّةً لعلاقتِنا مع هذا العالَم الذي نعيشُ فيه ونعيشُ منه.
نبدأ من أبسطِ المشاهد وأكثرِها تكرارًا: الأشجارُ التي تُنقّي هواءَنا وتمنحُنا الأوكسجينَ الذي لا نراه، لكنها تمنحُه لنا بسخاءٍ لا ينقطع، وتُعطينا أثمارًا هي من أطيبِ ما نأكلُ وأصحِّ ما يُغذّي أجسادَنا. ومع ذلك، لا نكتفي بقطفِ ثمارِها، بل نقطعُها، نُفرغُ الأرضَ من خُضرتها، ونحوِّل الغاباتِ إلى مساحاتٍ صامتةٍ خالية، كأنّنا لا نرى في الشجرةِ سوى خشبٍ قابلٍ للاستخدام، لا كائنًا حيًّا يُسهم في توازنِ الحياة.
ثمّ ننتقلُ إلى الحيوانات؛ تلك الكائناتُ التي تُعطينا الصوفَ لنتدفّأ، والحليبَ لنقتات، ومشتقّاته التي أصبحت جزءًا من يوميّاتنا. لكنّنا، مرّةً أخرى، لا نكتفي بالعطاء، بل نُفرِط في الأخذ؛ نُخضِعُها لأنظمةِ إنتاجٍ قاسية، نحبسُها، نُسرِّع دورةَ حياتِها، وننتهي بذبحِها واستهلاكِ لحومِها، وكأنّ العلاقةَ بيننا وبينها قائمةٌ على الأخذِ فقط، دون أيّ اعتبارٍ لحقِّها في حياةٍ طبيعيّةٍ أو لكرامتِها ككائنٍ حيّ. وعند هذه النقطة، يفرضُ السؤالُ نفسَه مرّةً أخرى، ولكن بصوتٍ أعلى: هلِ الإنسانُ مُستهلِكٌ أم مُستهلَك؟
إذا وسّعنا الدائرة قليلًا، سنرى أنّ الأمرَ لا يتوقّف عند الشجرِ والحيوان، بل يمتدّ إلى البيئةِ بأكملِها، فالأرضُ التي نحرثُها أرهقناها بالمبيداتِ والموادّ الكيميائيّة، والبحارُ التي كانت تعجُّ بالحياةِ حوّلنا أجزاءً واسعةً منها إلى مكبّاتٍ للنفايات، والهواءُ الذي نتنفّسه لم يَعُد نقيًّا كما كان، بل أصبح مُحمّلًا بسموم صناعاتِنا واستهلاكِنا المُفرِط. نحن لا نأخذُ فقط؛ نحن نُرهق، نُلوِّث، ونستنزف، حتى باتت الطبيعةُ نفسها تُقاومُ هذا الضغطَ بصورٍ متعدّدة: تغيّرٌ مناخيّ، كوارثُ بيئيّة، واختلالٌ واضحٌ في توازنِ الحياة.
لكنّ الصورةَ لا تكتملُ دون النظرِ إلى جانبٍ أكثرَ تعقيدًا: الإنسانُ نفسُه. ففي خضمِّ هذا السعيِ الدائم للاستهلاك، بدأ الإنسانُ يستهلكُ الإنسان. في العملِ، حيثُ يُختزَلُ الفردُ إلى رقمٍ أو إنتاجيّة؛ في العلاقاتِ، حيثُ تُقاسُ القيمُ بما يُقدَّم من منفعة؛ وفي المجتمعِ، حيثُ تُستهلكُ الطاقاتُ والأعمارُ في سباقٍ لا ينتهي نحو المزيد. وهنا يتحوّل الإنسانُ، دون أن يشعر، من مُستهلِكٍ إلى مُستهلَك؛ يُرهِق نفسَه ليواكبَ نمطًا صنعه بيديه، ثمّ يجدُ نفسَه أسيرًا له.
إنّ المفارقةَ المؤلمة تكمنُ في أنّ الإنسان، وهو يظنّ أنّه يملكُ زمامَ الأمور، يُسهمُ تدريجيًّا في استنزافِ كلّ ما حولَه، بما في ذلك ذاتُه. فالاستهلاكُ المفرطُ لا يتركُ خلفَه فقط بيئةً مُنهكة، بل يتركُ إنسانًا مُثقَلًا، فاقدًا للمعنى، يلهثُ وراء المزيد دون أن يسأل: إلى أين؟
من هنا، لا يعودُ السؤالُ مجرّدَ لعبةٍ لغويّة بين “مُستهلِك” و”مُستهلَك”، بل يتحوّلُ إلى دعوةٍ صريحةٍ لإعادةِ التفكير: كيف نعيش؟ وماذا نأخذ؟ وماذا نترك؟ وهل يمكنُ أن نُعيدَ صياغةَ علاقتِنا مع الطبيعةِ ومع بعضِنا البعض على أساسٍ من التوازنِ لا الاستنزاف؟
ربّما لا يكونُ المطلوبُ أن يتوقّف الإنسانُ عن الاستهلاك، فذلك جزءٌ من طبيعتِه وحاجاتِه، لكنّ المطلوبَ أن يُدرك حدودَه، وأن يتحوّل من كائنٍ يستهلكُ بلا وعي، إلى كائنٍ يَعي أثرَ كلّ فعلٍ يقومُ به. أن يزرعَ بدل أن يقطع، أن يُحافظ بدل أن يُهدر، وأن يرى في الكائناتِ الأخرى شركاءَ في هذا الكوكب، لا مواردَ مُجرّدة.
وعندها فقط، قد نصلُ إلى إجابةٍ أقلّ قسوةً: الإنسانُ ليس مُستهلِكًا فحسب، ولا مُستهلَكًا بالكامل، بل كائنٌ يقفُ بين الاثنين، يختارُ في كلِّ يومٍ أيَّ الطريقين يسلك.
No Result
View All Result