No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – في زوايا الحياة القاسية، تنشأ قصص إنسانية تختصر معاناة الطفولة حين تُسلب براءتها مبكراً، “محمد علي”، طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة، اختارته الظروف ليكون سنداً لعائلته، فاستبدل مقاعد الدراسة بأعباء العمل اليومية الثقيلة.
ليست كل الطفولة مليئة بالألعاب والضحكات، فهناك من يجبرون على النضوج قبل أوانهم، ففي أحد الأسواق الشعبية، يقف “محمد علي” حاملاً سلة من الخضار، ينادي عليها بصوت متعب مليء بالإصرار، في محاولة يومية لمواجهة واقع فرض عليه منذ سنوات طويلة.
كفاح رغم الصغر
وفي سوقٍ شعبي بسيط، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح الخضار الطازجة يقف “محمد علي“، الفتى ذو الخمسة عشر عاماً، ممسكاً بصندوقٍ صغير من الخضار، ينادي على بضاعته بصوتٍ خافت لكنه ثابت، لا يبدو عليه أنه في مثل عمره، فقد سرقت المسؤوليات المبكرة من ملامحه الكثير من براءة طفولته. حيث بدأت قصة الطفل “علي” مع العمل في سنٍ مبكرة جداً، إذ لم يكن قد تجاوز الثامنة من عمره حين اضطر للعمل، فمساعدة والده لم يكن ذلك خياراً، بل ضرورة فرضتها الظروف عليه، فوالده المريض، لم يعد قادراً على العمل كما في السابق، وأصبح دخله غير كافٍ لتلبية احتياجات الأسرة.
وفي لقاء خاص تحدث الطفل “محمد علي” لصحيفتنا “روناهي”، مؤكداً، إنه كان يرى نفسه مجبراً على الوقوف بجانب والده، خاصة مع تدهور حالته الصحية، فلم يحتمل فكرة أن يرى أسرته تعاني من الحاجة، حيث قرر أن يتحمل مسؤولية أكبر من عمره، لتبدأ رحلته اليومية والمليئة بالتعب والتحدي في سوق العمل.
ورغم كل ذلك لم ينقطع “محمد علي” من التعليم بشكل تام، إذ التحق بدورة بسيطة لتعليم القراءة والكتابة، وكانت تلك الدورة نافذته الصغيرة نحو المعرفة، ووسيلته ليشعر أنه ما زال مرتبطاً بالعالم الذي حرم منه، عالم الدراسة التعليم، فيما لم يتمكن من الاستمرار في إكمال دراسته، بسبب استهلاك العمل معظم وقته وجهده.
تحت وطأة الحاجة
ويبدأ يوم “علي” في ساعات الصباح الباكر، حيث يستيقظ قبل شروق الشمس، يتجه إلى السوق لشراء صنف واحد من الخضار، حسب ما يستطيع تحمله من تكلفة، وبعد ذلك يبدأ ببيعه في أزقة السوق، متنقلاً من مكان لآخر، محاولاً جذب الزبائن بمنافسة شديدة.
ولا يعد عمل “علي” بسهل، إذ يتطلب صبراً وجهداً بدنياً، حيث يقف لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في البرد الشديد، يحمل وينقل بضاعته بنفسه، كما يتحمل أحياناً خسائراً مادية في حال لم يتمكن من بيع ما لديه، وعلى الرغم من ذلك كله، يستمر في العمل يومياً حتى الساعة الخامسة مساءً. وفي نهاية كل يوم، يجمع “محمد علي” ما استطاع كسبه، والذي لا يتجاوز في أفضل الأحوال خمسين ألف ليرة سورية، هذا المبلغ الصغير، الذي قد لا يعني للبعض شيء، يشكل له ولعائلته شريان حياة، حيث يقوم بتقسيمه بعناية “جزء بسيط يحتفظ به كمصروف شخصي، وجزء يعيد استثماره في شراء بضاعة جديدة لليوم التالي، أما الباقي فيعطيه لوالده ليساعد في مصاريف الأسرة”.
ورغم ضآلة الدخل، يشعر بالفخر؛ لأنه قادر على المساهمة في إعالة أسرته، لا يشتكي كثيراً، ولا يظهر استياءه، بل يتحدث بهدوء عن يومه وكأنه أمر طبيعي، لكن خلف هذا الهدوء، تختبئ قصة معاناة حقيقية لطفل اضطر أن يكبر قبل أوانه.
وأكد “علي”، أن أصعب ما يواجهه ليس التعب الجسدي فقط، بل شعوره بالحرمان من حياة طبيعية، فهو يرى أقرانه يذهبون إلى المدرسة ويلعبون، بينما هو يقضي يومه في العمل، وعلى الرغم من ذلك، لا يفقد الأمل، بل يحلم بأن تتحسن ظروف عائلته يوماً ما، ويتمكن من العودة إلى الدراسة. فقصة “محمد علي” ليست حالة فردية، بل تعكس واقعاً يعيشه العديد من الأطفال الذين دفعتهم الظروف الاقتصادية الصعبة إلى سوق العمل مبكراً، هؤلاء الأطفال يتحملون أعباءً تفوق طاقتهم، في سبيل دعم أسرهم، وغالباً ما يكون ذلك على حساب تعليمهم ومستقبلهم.
وفي نهاية المطاف، يبقى “محمد علي” مثالاً على قوة الإرادة في مواجهة الظروف القاسية، فرغم صغر سنه يقدم درساً كبيراً في المسؤولية والتضحية، وبينما يواصل كفاحه اليومي في السوق، يبقى الأمل قائماً بأن يجد فرصة أفضل، تعيد له جزءاً من طفولته التي فقدها، وتفتح أمامه أبواب مستقبل أكثر إشراقاً.
No Result
View All Result