بتاريخ 29 كانون الثاني، وُقِّع اتفاقٌ لوقف إطلاق النار بين كلٍّ من قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، وذلك عقب معارك طاحنة شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إلى جانب التصعيد الذي أعقب ذلك في منطقة دير حافر، قبل أن تمتدَّ الفوضى إلى مناطق أخرى، بفعل خطاب الكراهية ومساعي بثّ الفتنة بين الشعوب السورية، في ظلّ غياب الأمن، وتأجيج النعرات الطائفية، فجاء هذا الاتفاق، في ظاهره ومقصده، ووضع حدٍّ لنزيفٍ طال أمده واستفحل خطره.
ونصّ الاتفاق الموقّع بين الطرفين على جملةٍ من البنود الجوهرية، في مقدّمتها وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى من الجانبين، وعودة المهجّرين إلى مناطقهم. غير أنّ الحكومة السورية المؤقتة ما تزال، حتى الآن، تماطل في تنفيذ عددٍ من هذه البنود، رغم أنّ قوات سوريا الديمقراطية ـ بحسب ما يُعلن ـ قد باشرت تنفيذ ما يُناط بها، فسلّمت غالبية نقاطها العسكرية لقوى الأمن الداخلي، وأقامت حواجز مشتركة في مواقع عدّة، في خطوةٍ بدت أقرب إلى اختبار حُسن النوايا منها إلى اكتمال مسار التنفيذ.
نعم، لا يزال التفاهم بين الطرفين هشّاً، يتأرجح بين الرجاء والارتياب، ويعزو مراقبون هذه الهشاشة إلى تبعية السلطة القائمة لأطراف خارجية، وارتهان قرارها لقوى دولية وجهات إقليمية لا ترى في هذا الاتفاق مصلحةً آنية، وفي مقدّمتها الدولة التركية، التي لم ترفع يدها بعد عن المشهد السوري، ولا عن مفاصل التأثير في السلطة القائمة في دمشق.
ومنذ اليوم الأول لتوقيع الاتفاق، لم تتوقّف محاولات العرقلة، خشية أن يفضي تنفيذه إلى انعكاسات داخلية على الساحة التركية، قد تفرض تحوّلاتٍ جذرية تُعزّز مسار السلام والمجتمع الديمقراطي الذي دعا إليه القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط من العام المنصرم، عقب تصريحات دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية في تركيا، ودعوته القائد أوجلان لإلقاء كلمة في البرلمان؛ وهي معطياتٌ تُقرأ، في سياقها، باعتبارها جزءاً من توازنات دقيقة تتجاوز حدود الجغرافيا السورية.
وعليه، تبدو المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق سمةً بارزة في أداء الحكومة، من ملف الأسرى إلى ملف عودة المهجّرين قسراً إلى ديارهم، ولا سيما مهجّرو مدينة سريه كانيه ذات الغالبية الكردية، حيث ما تزال عودة عشرات العائلات متعثّرة، بين بيوتٍ مدمّرة، وأمنٍ مفقود، ومدينةٍ تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة؛ في مشهدٍ يلخّص المأساة ويكثّف المعاناة.
إلى جانب ذلك، يبرز غياب الشفافية في السياسات التي تنتهجها الحكومة، وتردّد الموقف الدولي الذي أعلن دعمه للاتفاق وأكّد على ضرورة تطبيقه وضمان تمثيل جميع السوريين في سوريا الجديدة، لم يرتقِ بعد إلى مستوى الضغط الكفيل بإنفاذه. وفي المقابل، ما تزال السلطة الحالية متمسّكةً بعقلية إقصائية، وانفراد بالقرارات.
إنّ مضمون الاتفاق، في جوهره، يقوم على تمثيلٍ سياسيٍّ عادل، وإدارةٍ مشتركةٍ للموارد، وضماناتٍ دستوريةٍ جامعة، إلى جانب صيغةٍ من التكامل العسكري تحفظ لكلّ طرفٍ خصوصيته وهويته؛ فلا إقصاء يُجدي، ولا تفرّد يُغني، بل شراكةٌ تُصان بها البلاد، وتُحقن بها الدماء، وتُستعاد بها ملامح وطنٍ أنهكته الصراعات وتنازعته الإرادات.