No Result
View All Result
ضياء إسكندر
من المعروف إن “المرحلة الانتقالية” هي الفترة الفاصلة بين سقوط النظام القائم وبناء نظام سياسي جديد، وهي مرحلة مؤقتة تُدار خلالها البلاد بترتيبات دستورية وحكومية، تضمن الوصول إلى دولة مستقرة قائمة على الشرعية الشعبية، وتتجاوز أخطاء المرحلة السابقة، وتفتح الطريق أمام وضعٍ أفضل للناس. أما في سوريا، فقد جرى إفراغ هذا المفهوم عملياً لا لغوياً، في محاولة بائسة لم تُقنِع أحداً ولم تُخفِ واقع الخراب.
إن ما يجري ليس انتقالاً سياسياً، بل استمرار للاستبداد في صيغةٍ أخرى، أكثر تنظيماً ومسنوداً بغطاء ديني يمنحه طابعاً زائفاً من الشرعية الإلهية. المرحلة الانتقالية، كما تفهمها سلطة الأمر الواقع، ليست سوى انتقالٍ من استبدادٍ سياسيٍّ فجٍّ، إلى استبدادٍ مركّب… سياسيٍّ يتدثّر بعباءة دينية. هي انتقالٌ من خنقٍ بطيء للقطاع العام وخصخصته بالتدريج، إلى بيعه المستعجل في زمن قياسي. وهي أيضاً انتقالٌ عبقري من تصحّر الحياة السياسية… إلى اقتلاع ما تبقّى من جذورها عبر حلّ الأحزاب. فبدلاً من مشهدٍ باهتٍ لأحزابٍ مروّضة، أصبحنا أمام فراغٍ نقيّ… لا يزعجه صوت، ولا يشوّشه رأي!
أما الموظفون، أولئك الذين كانوا يتقاضون رواتب بالكاد تكفي لشراء الخبز، فقد حُلّت مشكلتهم جذرياً: لم يعودوا موظفين أصلاً! يا لها من عبقرية في إدارة الأزمات… حين تعجز عن رفع الراتب، تلغي صاحب الراتب! ومن جيشٍ وطني جامع لكل الشعوب، إلى جيشٍ بلون واحد. ومن فسادٍ مخيف إلى فسادٍ أدهى وأمرّ. ومن خطابٍ طائفي مستتر إلى الجهر به بعلانية غير معهودة. ومن إفقار 80% من الشعب إلى أكثر من 90%. ومن رجال دين يسبّحون بحمد الحاكم، إلى شيوخٍ متغلغلين في مفاصل الدولة كافة، يبتّون في القضايا الصغيرة والكبيرة، ويصبحون المرجع الذي لا يُجارى.
ولأن تقييد الحريات السياسية لم يكن كافياً، فقد تقرر توسيع التجربة لتشمل الحريات الشخصية أيضاً: اللباس، والمشروبات، والاختلاط، والمكياج… في انتهاكات لم تعرفها سوريا منذ تأسيسها.
وفي السياسة الخارجية، حدث التحوّل الأكثر إثارة: من شعارات “المقاومة” التي كانت تُرفع ولو للاستهلاك، إلى لهاثٍ مكشوف نحو اتفاقٍ علني مع “إسرائيل”، حتى لو كان الثمن ما تبقّى من كرامةٍ وطنية وسيادةٍ مُتهالكة. فجأةً، صار التفريط “واقعية سياسية”، وصار الصمت “حكمة”!
أما القضية الفلسطينية، التي كانت تُستثمر سابقاً بخطاباتٍ حماسية، فقد انتقلت إلى مرحلة “الضبط والتنظيم”… أي تقييد أنشطة الفصائل، حتى لا تُحرج أحداً أو تُذكّر بما لم يعد مرغوباً في تذكّره.
وعلى الصعيد الدستوري، انتقلنا من دستورٍ فيه ألف علّة.. إلى إعلانٍ دستوريٍّ لا يُقارن إلا بأسوأ ما عرفته البلاد. وبالطبع، لم يعد هناك داعي لتلك المسرحية الهزلية المسماة “انتخابات”. فقد تم اختصار الطريق: لا انتخابات… لا سخرية، هكذا تُحلّ الإشكالات من جذورها!
أما المجتمع السوري، ذلك البطل التاريخي للثورات والاحتجاجات، فقد تراجع صوته من هتافٍ “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى همسٍ خافت: “خليها بالقلب تجرح ولا على اللسان تفضح”. لقد دفع ثمناً باهظاً لمطالبته بحقوقه، وما زال مثقلاً بمشاعر الخوف التي كبّلته.
والأكثر إثارةً للدهشة، ذلك الصمت الثقيل الذي يُخيّم على ما تبقّى من الأحزاب؛ أحزاب يُفترض أن تكون طليعية، تحرّض الشعب وتلهمه وتقوده إلى التعبير عن رأيه عبر مظاهرة أو اعتصام، فإذا بها تنكفئ إلى بياناتٍ باهتة وخجولة… هذا إن تجرّأت على إصدارها أصلاً.
هنا، لا يعود سؤال: “إلى أين نحن ذاهبون؟” مهمّاً، بقدر ما يفرض نفسه سؤالٌ أكثر مرارة:
من يوقف هذا الانحدار… إن كان الجميع قد قرروا التفرّج؟
قيل قديماً: “يا فرعون، من فرعنك؟”
فأجاب: “لم أجد من يردعني”.
واليوم، لا يبدو أن الجواب قد تغيّر كثيراً… سوى أن الفرعنة أصبحت أكثر حداثة، وأكثر تنظيماً، وربما… أكثر قبولاً. فهل يكسر الاعتصام المزمع تنفيذه يوم الجمعة القادم في دمشق بعنوان «اعتصام الكرامة» هذا الجواب؟
No Result
View All Result