No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
في قلب التحولات والحروب التي تعصف بالشرق الأوسط، ومع دخوله مرحلة إعادة رسم الخرائط لمائة سنة قادمة، تبقى القضية الكردية من أهم القضايا المركزية التي يجب التعامل معها بحنكة، والعمل على حلها، ما قد يؤدي في النهاية إلى تحولات في بنية الدول الإقليمية التي تحتل أراضي كردستان، القضية الكردية رغم إنها قضية قومية وتاريخية بامتياز للكرد، لكنها برزت أساساً في حل القضايا العالقة في المنطقة، وبات لها تأثير كبير في المعادلات والتوازنات في الإقليم، والشرق الأوسط عامةً.
السنوات القليلة القادمة، ستحدد شكل الخرائط في الشرق الأوسط، وكيفية التعامل مع القضية الكردية، خاصة أن الكرد شعب تجاوز عدده 80 مليون، هذا عدا عن أن مساحة كردستان التي تتجاوز 500 ألف كيلو متر مربع، وهي غنية بالمعادن والثروات الباطنية، والأراضي الخصبة، وتمتاز بطبيعة جميلة جداً، وبأجواء معتدلة. لذا؛ ستكون محط أنظار العالم في الأعوام القليلة القادمة، ورغم وجود الكثير من التحديات والصعوبات، إلا إن الكرد باتوا رقما صعباً في أي حل قادم للشرق الأوسط، وهناك اهتمام كبير من المجتمع الدولي، بحل القضية الكردية، بشكل يتوافق مع حصول الكرد على حقوقهم، بعد أن تأكدوا بأن الكرد، يمتلكون اليوم جميع مسببات العيش بحرية وكرامة، وإدارة الدولة.
كرد تركيا وعقدة العنصرية التركية
كردستان محتلة من أربع دول، مختلفة في سياساتها، وهي تركيا، وإيران، وسوريا، والعراق، في تركيا، الجزء الأكبر من كردستان “باكور كردستان”، الملف الكردي فيها معقد للغاية، نتيجة مقاربات الحكومة التركية مع الكرد، والفكر العنصري والقومي، الذي يسيطر على القادة والمسؤولين الأتراك. لكن، في الآونة الأخيرة، كانت هناك ضغوطات سياسية، واقتصادية، على تركيا، وخاصة بعد إطلاق القائد عبد الله أوجلان، مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي.
تركيا تعيش اليوم العديد من الأزمات، ما قد يدفعها بإعادة ترتيب أولوياتها، وليس لديها سوى خيارين، إما أن تتجه إلى الحلول السلمية الجادة مع الكرد، والقبول بمبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي، أو استمرارها في التعامل الأمني المشدد مع الكرد في الداخل التركي، ما سيخلق المزيد من التوتر والاحتقان في المجتمع التركي، في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعيشها. لذا؛ على تركيا الانفتاح على القضية الكردية على أنها قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، منذ آلاف السنين، والتعامل معها سياسياً وسلمياً، ما يخلق مساحة للنقاش حول حقوق الكرد، وباعتقادي أن الكرد في تركيا، يمتازون بحنكة سياسية، وعقلية القيادة الحكيمة، ما يجعل نجاح العملية السياسية في تركيا، أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، رغم عرقلة تركيا جهود التوصل للحلول.
مرحلة استثنائية للكرد في إيران
أما إيران تعيش مرحلة صعبة في ظل الحرب الدائرة بينها من جهة، وبين أمريكا وإسرائيل في الطرف الآخر، فالحرب الأخيرة، دمرت الكثير من البنى التحتية، وهي تعيش اليوم حالة من التخبط، وهناك ضغوطات اقتصادية، ومعيشية صعبة، ويبدو أن المراحل القادمة في إيران، ستكون حاسمة ومصيرية، والمجتمع في إيران قد لا يتحمل تبعات الحرب، إن عادت بعد الهدنة المقررة لمدة أسبوعين.
ولأن القضية الكردية مفتاح الحل في إيران، على الحكام الإيرانيين، تقوية الجبهة الداخلية، وفتح المجال أمام التفاهمات والنقاشات حول القضايا الوطنية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها القضية الكردية، وعليها أن تعي أن التعامل الأمني والقمع، وحالات الإعدام في هذه الظروف، لن تأتي إلا بالمزيد من الصراعات الداخلية والتفكك.
الكرد في روجهلات كردستان وإيران أدركوا أين تكمن الحلول، وهم لم ينجروا أو ينحازوا للأطراف التي حاولت استخدام الكرد لتحقيق مصالحهم، القضية الكردية في إيران، تمر في مرحلة دقيقة واستثنائية، وهم يدركون جيداً أن مصالح الكرد فوق أي اعتبار آخر، وهذا هو بيت القصيد، وعلى إيران الحوار مع الكرد، والامتثال لمطالبهم العادلة، والتوجه للحلول السلمية، خاصة إن الظروف المحيطة لا تسمح بفتح جبهات داخلية، قد تشكل الطامة الكبرى لحكام إيران.
العراق والتنصل من تطبيق الدستور
الكرد في العراق، مشروعهم الأكثر وضوحاً بين الأجزاء الكردستانية الأخرى، بعد الإطاحة بنظام البعث في العراق، وإقامة إقليم فيدرالي، مثبت في الدستور العراقي، حيث يدير الكرد هناك أنفسهم، ورغم ذلك، الحكومة العراقية تحاول دائماً التنصل من تطبيق بنود الدستور، وهناك مشاكل عالقة كثيرة بين بغداد وهولير، أبرزها المناطق المتنازعة عليها، وكركوك، وهناك مشاكل أخرى مرتبطة بالميزانية والنفط وقضايا أخرى.
حكومة باشور كردستان، تعمل جاهدة على حل القضايا العالقة، بالحوار، رغم وجود عقبات تخلقها الحكومة العراقية، في الكثير من الأحيان، إلا إن حكومة باشور كردستان، تتعامل مع الأحداث بحنكة وروية، وتحاول دائماً الحل عن طريق الحوار، وكلنا يعلم أن العراق بحاجة اليوم إلى للخروج من عنق الزجاجة، خاصة إنه قد يواجه حربا إن استمر الحشد الشعبي بضرباته على المصالح الأمريكية في باشور كردستان، وعدم امتثالها قرارات الحكومة العراقية، والنأي بالعراق عن الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
والهجمات العديدة على مواقع في باشور كردستان، من المجموعات الموالية لإيران، تضع العصي في عجلات أي تفاهم بين باشور وحكومة بغداد، وتزيد من فرص التوترات الداخلية، وهذا ما لا يحبذه الكرد. لذا؛ يجب الوقوف أمام الهجمات المستمرة على باشور كردستان أولاً، والتعامل مع الكرد على أنهم شركاء حقيقيون في الوطن، ومحاسبة كل من كان له يد في الهجمات على باشور كردستان.
ضمان الحقوق والتوصل لتسوية شاملة
وفي سوريا، الحكومة البعثية السابقة، تعاملت مع الكرد بسياسة الحديد والنار، فتعرض الكرد للتهميش والإقصاء، والتعامل الأمني المفرط، وفي مرحلة من المراحل كان يخشى الكردي التحدث بلغته، حيث مارس النظام شتى أنواع الظلم على الكرد، فحرمتهم من الجنسية، وسلبت أرضهم واستوطنت فيها الغرباء، وتعاملت معهم وكأنهم جاؤوا من كوكب آخر.
واليوم، وبعد تغيير النظام في سوريا، فإن المسار مرهون بطبيعة التسوية السياسية الشاملة، وضمان حقوق الكرد في الدستور السوري الجديد، والكرد في سوريا مطالبهم واضحة، بإقامة دولة لا مركزية، وإدارة ذاتية في مناطقهم، ضمن سوريا واحدة، وهذه ليست مطالب مستحيلة التحقيق، في حين لو استمرت الحكومة المؤقتة السورية، في استمرار التعامل مع الكرد بحالة من التهميش والاقصاء، قد تعيد حالة التصعيد، خاصة أن الحكومة المؤقتة تحاول الضغط في تطبيق بنود اتفاقية التاسع والعشرين من كانون الثاني، كما أن عليها اتخاذ مصلحة السوريين بعين الاعتبار، وألا تخضع لإملاءات دول إقليمية، تؤثر على الوضع الداخلي في سوريا.
والكرد من جانبهم، يجب عدم التفريط بمكتسباتهم، والتخلي عن حقوقهم الثابتة، مهما كانت الأثمان، وعليهم الاعتماد على قوتهم وقوة الامتداد الكردستاني، الذي ظهر في دعم روج آفا، وقلبت الطاولة على كل من حاول إبادة الشعب الكردي، وكسر إرادتهم في روج آفا.
دور المجتمع الدولي ووجود الضمانات
كما إن على الكرد ألا يغفلوا عن دور المجتمع الدولي، وعلى رأسه الدور الأمريكي، في التأسيس لحوار بناء بين الكرد، والدول التي تحتل كردستان، رغم أن الكرد يدركون، أن أمريكا والدول الغربية الفاعلة، تتعامل مع الملف الكردي، على أساس تحقيق مصالحها أولا، لكن، من دون تقوية العلاقات ووجود ضمانات دولية، لا يمكن حصول الكرد على حقوقهم، وهذا لا يعني، أن الكرد ليس لهم دور في حل معظم قضايا المنطقة، كما إن الكرد يدركون جيداً أن التعويل على الدول الخارجية، قد يفقدهم القدرة على المطالبة بحقوقهم الكاملة. لذلك؛ عليهم، تقوية قدراتهم الذاتية، وتحقيق وحدة الصف، بما يجعلها ورقة ضغط، لتحقق أهدافهم.
ومن واجب الكرد، ألا ينخرطوا في صرعات المنطقة، التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع، ما يؤدي في النهاية، إلى نأي المناطق الكردية، من الصراعات والحروب الدائرة، ويجعلها مناطق مستقرة وآمنة، تساهم في استقرار المنطقة عامةً، واستمرار حالة الأمن والاستقرار في المناطق الكردية، قد تصبح ورقة ضغط وتفاوض قوية، لدى الكرد، للبناء عليها في المطالبة بحقوقهم المشروعة والطبيعية.
وفي الخلاصة، القضية الكردية اليوم، مطروحة على الطاولة الدولية، ومسببات النقاشات حولها موجودة، وبكل قوة، والورقة الكردية باتت حاسمة في حل الكثير من قضايا المنطقة، وشعوب العالم، تدرك مدى مظلومية الشعب الكردي، ودوره الكبير في القضاء على الإرهاب العالمي، ما يجعل من القضية الكردية، قضية رأي عام عالمية، ومن الواجب حلها بالطرق السلمية، اليوم الظروف العامة والدولية مهيأة لحل القضية الكردية، في أجزاء كردستان، وعلى الكرد استغلالها بالطريقة المثلى، لأنه ما لم تحل القضية الكردية في هذه الأوقات المصيرية، قد ننتظر مئات من السنوات الأخرى، في خلق الظروف المناسبة التي ظهرت اليوم، للحصول على حقوق الشعب الكردي المغتصبة.
No Result
View All Result